لا تدخل لطيفة الشريف انتخابات 2026 من الموقع نفسه الذي دخلت منه مجلس النواب قبل خمس سنوات. يومها ارتبط اسمها انتخابيا بجهة الشرق، أما اليوم فتخوض واحدة من أكثر المعارك حساسية في الدار البيضاء، بعدما منحها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تزكية قيادة لائحته في دائرة أنفا، بحثا عن واحد من أربعة مقاعد تتنافس عليها أسماء حزبية ذات حضور سياسي وانتخابي متفاوت.
هذا الانتقال يلخص إلى حد بعيد الاختبار السياسي الذي تواجهه الشريف. فهي ليست وافدة جديدة على البرلمان، لكنها مطالبة هذه المرة بتحويل خمس سنوات من العمل النيابي، وحضورها داخل قيادة حزبها ونشاطها الجمعوي، إلى رصيد انتخابي مباشر في دائرة لا ترتبط بها تجربتها البرلمانية السابقة.
تُظهر معطيات مجلس النواب أن الشريف أمضت الولاية التشريعية 2021-2026 ضمن الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، ممثلة للدائرة الانتخابية “الشرق”، وعضوا في لجنة القطاعات الاجتماعية. ويضع الموقع الرسمي للمجلس في رصيدها 214 سؤالا برلمانيا، توزعت على ملفات تتجاوز الصحة إلى التعليم والعدالة والشغل والسياحة والحماية الاجتماعية وغيرها.
الرقم كبير، لكنه لا يكفي وحده للحكم على حصيلة برلمانية. فعدد الأسئلة يقيس كثافة استعمال إحدى آليات الرقابة، ولا يقيس بالضرورة أثرها في السياسات العمومية أو ما ترتب عنها من قرارات حكومية. ومع ذلك، يكشف مضمون جزء مهم منها عن المجال الذي اختارت الشريف أن تبني فيه هويتها البرلمانية: القضايا الاجتماعية، وفي مقدمتها الصحة.
هذا الاختيار ليس منفصلا عن مسار سابق على دخول البرلمان. فبعد تجربة شخصية مع سرطان الثدي، أسست جمعية “أصدقاء الشريط الوردي”، واشتغلت على التوعية ومواكبة المصابات بالمرض. ومع دخولها المؤسسة التشريعية، انتقل جزء من هذا الاهتمام إلى الأسئلة المتعلقة بعلاج مرضى السرطان، والولوج إلى الخدمات الصحية والتغطية الصحية والأمراض المزمنة. ويظهر أرشيف مجلس النواب أنها كانت تثير ملف مرضى السرطان منذ الأشهر الأولى للولاية التشريعية، ومن ذلك سؤال مسجل في نونبر 2021 حول “معاناة مرضى السرطان وضمان حقهم في العلاج”.
بهذا المعنى، تشكل الصحة بالنسبة إلى الشريف أكثر من موضوع ظرفي للحملة الانتخابية. لكنها في الوقت نفسه تمنحها نموذجا سياسيا مختلفا نسبيا عن السياسي الذي يبني حضوره أساسا على السجال الحزبي أو الملفات الإيديولوجية الكبرى. صورتها المتاحة للرأي العام ارتبطت أكثر بالعمل الجمعوي والترافع الاجتماعي، قبل أن تتعزز بحضور داخل هياكل الاتحاد الاشتراكي.
فالمرشحة عن أنفا ليست مجرد نائبة في الفريق الاشتراكي؛ إنها اليوم عضوة في المكتب السياسي للحزب، وشاركت خلال الأشهر الأخيرة في تأطير لقاءاته التنظيمية بالدار البيضاء-أنفا، بما يضعها داخل البنية القيادية التي يدفع بها الحزب لخوض انتخابات 2026.
وفي علاقتها بقيادة الحزب، لا تضع الشريف نفسها في موقع المعارض للخط التنظيمي السائد داخل الاتحاد الاشتراكي. ففي حوار نهاية 2025، دافعت عن إدريس لشكر بعد إعادة انتخابه لولاية رابعة على رأس الحزب، ووصفته بأنه من القادة العارفين بالمشهد السياسي وكواليسه، مع حديثها عن احتمال إعداده لخلفه.
هذه المعطيات تجعلها أقرب سياسيا إلى دائرة القيادة الحالية للحزب منها إلى موقع المسافة أو الاعتراض الداخلي. كما أن اختيارها لقيادة لائحة أنفا يعكس رهان الاتحاد الاشتراكي عليها في دائرة يسعى فيها إلى إعادة بناء حضوره وسط منافسة لا تتيح كثيرا من هوامش الخطأ.
لكن أنفا تحديدا تضع هذا المسار أمام سؤال مختلف.
فالشريف التي سجلها مجلس النواب خلال الولاية المنتهية ممثلة عن الشرق، تنتقل في 2026 إلى البحث عن شرعية انتخابية في قلب الدار البيضاء. وهنا لا يعود السؤال فقط ماذا فعلت في البرلمان، بل أيضا: ما الذي يجعلها ممثلة سياسية لدائرة أنفا؟
ذلك هو أحد عناصر القوة والضعف في ترشيحها في الوقت نفسه. فهي تدخل السباق بخبرة برلمانية جاهزة، وموقع داخل المكتب السياسي، وشبكة جمعوية راكمتها خصوصا في المجال الصحي؛ لكنها تخوض معركة في مجال انتخابي جديد عليها مقارنة بالدائرة التي مثلتها خلال الولاية السابقة.
وتزداد المعركة تعقيدا بسبب طبيعة المنافسة. فدائرة أنفا، المخصصة لها أربعة مقاعد، تجمع أسماء من مشارب سياسية مختلفة، بينها نبيلة منيب عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، ونجوى ككوس عن الأصالة والمعاصرة، وعبد الصمد حيكر عن العدالة والتنمية، إلى جانب الشريف عن الاتحاد الاشتراكي.
لذلك لا يتعلق الأمر بالنسبة إليها بمجرد الدفاع عن حصيلة نيابية، بل بخوض مواجهة بين عروض سياسية وشخصيات لها قواعد وخلفيات مختلفة. وفي مثل هذه الدائرة، تصبح القدرة على بناء ارتباط محلي بالناخب أكثر أهمية من الموقع داخل الجهاز الحزبي أو الحضور داخل البرلمان.
أما الخطاب الذي تدخل به الشريف السباق، فلا يحمل تغييرا جذريا في الملفات التي اشتغلت عليها. المذكرة التي تقدم أولويات حملتها تضع الصحة والحماية الاجتماعية وتشغيل الشباب والتعليم ودعم المقاولات وريادة الأعمال وتكافؤ الفرص في الصدارة، وتستحضر أكثر من 200 سؤال برلماني بوصفها جزءا من حصيلتها.
والملاحظ أن هذه الأولويات تنتمي أساسا إلى الحقل الاجتماعي والاقتصادي، ولا تقدم في ذاتها صورة عن مواقف المرشحة من القضايا السياسية والمؤسساتية الكبرى. وهذا يرسم أحد حدود الشخصية السياسية للشريف كما تظهر حتى الآن: نائبة راكمت نشاطا رقابيا في ملفات اجتماعية، وفاعلة جمعوية دخلت قيادة حزب تاريخي، لكنها لا ترتبط في النقاش العام بموقف سياسي صدامي أو أطروحة فكرية خاصة تحمل اسمها.
ربما لهذا السبب تمثل انتخابات أنفا امتحانا أهم في مسارها من مجرد البحث عن ولاية برلمانية ثانية.
ففي 2021، دخلت لطيفة الشريف البرلمان ممثلة عن الشرق. وفي 2026 أصبحت عضوة في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي ووكيلة لائحته في واحدة من أكثر دوائر الدار البيضاء تنافسا. وبين المحطتين انتقلت من موقع البرلمانية التي تبني حضورها أساسا بالأسئلة والملفات الاجتماعية، إلى موقع القيادية الحزبية المطالبة بإثبات قدرتها على كسب الأصوات.
ويوم 23 شتنبر لن يكون الاختبار متعلقا بعدد الأسئلة التي وضعت اسم لطيفة الشريف على طاولة الحكومة، بقدر ما سيكون متعلقا بعدد الناخبين في أنفا المستعدين لوضع اسمها في صندوق الاقتراع.
هناك تحديدا ستتضح قيمة الرصيد الذي راكمته خلال خمس سنوات؛ هل يتحول العمل البرلماني والجمعوي والموقع داخل قيادة الاتحاد الاشتراكي إلى شرعية انتخابية محلية، أم تكشف صناديق أنفا المسافة التي قد تفصل بين الحضور داخل المؤسسات والقدرة على بناء قاعدة سياسية على الأرض؟
المصدر:
العمق