كشف تحليل حديث صادر عن المعهد الملكي إلكانو الإسباني أن عبور آلاف المغاربة نحو مدينة سبتة أواخر شهر يوليوز الماضي لم يكن بأي حال هربا من دولة فاشلة أو صراعات أو كوارث طبيعية، مفندا بذلك بشكل قاطع ادعاءات سياسيي اليمين الأوروبي، على غرار رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني والمستشار الألماني فريدريش ميرز، حيث اعتبر التقرير أن الأمر لا يتعلق بأزمة هجرة غير نظامية، بل يندرج ضمن سياق البحث العقلاني عن فرص عمل وتكوين في ظل تحديات واجهت نموذج التنمية الاقتصادية المعتمد خلال العقود الأربعة الماضية.
وأوضح المعهد المتخصص في الدراسات الاستراتيجية أن المغرب يقدم صورة إيجابية ومزدهرة على مستوى الاقتصاد الكلي، مسجلا أرقاما قوية تتجلى في بلوغ حجم الاستثمارات 32 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة الماضية، واستقرار التضخم عند حدود 1 بالمائة، مع تسجيل نسبة دين عام تبلغ 67.2 بالمائة، فضلا عن ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بنسبة 31 بالمائة حتى أواخر شهر يونيو الماضي، مبرزا في الوقت ذاته أن هذه المؤشرات الماكرو-اقتصادية الممتازة تصطدم بتحديات تتمثل في بلوغ بطالة الشباب نسبة 37 بالمائة، ووجود 230 ألف شاب خارج منظومة العمل والتعليم من أصل 400 ألف بلغوا سن الشغل العام الماضي.
وأشار التقرير عينه إلى أن هذه المفارقة بين نمو الاقتصاد الكلي والتحديات الاجتماعية تبدو طبيعية ومفهومة بالاستناد إلى دراسات حديثة، مؤكدا وجود فجوة متزايدة بين بيانات الناتج المحلي الإجمالي التي تمثل الإنتاج والشركات الكبرى والأسواق المالية، وبين ما ينعكس فعليا على الرفاهية الاقتصادية للمواطنين العاديين، مستحضرا في هذا السياق تجارب تاريخية لدول مثل بريطانيا وإيطاليا في القرن التاسع عشر، حيث كان الارتفاع غير المسبوق في مستويات المعيشة إبان الثورة الصناعية مشروطا بالهجرة التي شكلت آنذاك صمام أمان لاستقرار تلك الدول.
وتابع المصدر ذاته رصد المشهد السوسيو-اقتصادي، مسجلا تمركز تحديات البطالة في المناطق الداخلية لساحل البحر الأبيض المتوسط، في تناقض مع الحركية الاقتصادية التي تشهدها مناطق قريبة مثل المضيق حيث ترأس الملك محمد السادس احتفالات عيد العرش، لافتا إلى أن العاهل المغربي يدرك جيدا هذه التحديات وألمح مرارا، كما في خطاب العرش الأخير، إلى ضرورة إحداث قطيعة مع بعض الممارسات الاقتصادية الريعية، وهو ما تم تشخيصه أيضا بوضوح وشفافية في تقرير اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الصادر في شهر أبريل من سنة 2021.
وأضاف التحليل الإسباني أن القطاع الخاص يتحمل جزءا من المسؤولية في إبطاء وتيرة التنمية، مستشهدا بتصريحات سابقة للرئيس السابق للاتحاد العام لمقاولات المغرب صلاح الدين مزوار سنة 2019، التي انتقد فيها ثقافة انتظار المبادرات الحكومية وضعف ثقافة المخاطرة لدى الشركات الخاصة التي يغلب عليها الطابع العائلي، مشيرا إلى أن المندوبية السامية للتخطيط تساءلت بدورها عن العائد الفعلي لبعض الاستثمارات الحكومية الكبرى، في حين أشاد التقرير عاليا بالمجمع الشريف للفوسفاط واصفا إياه بالمجموعة التي تتجرأ على تحمل المخاطر بذكاء وفعالية، مما يعزز المرونة الاقتصادية للبلاد.
واستطرد المعهد في سرد السياق التاريخي، مبينا أن خطة التقويم الهيكلي لسنة 1985 وفرت فرصا خلقت 200 ألف وظيفة في قطاع النسيج، قبل أن يتأثر القطاع في التسعينيات بسبب غياب بعض الإصلاحات الداخلية والانفتاح السريع على الأسواق الدولية، مستعرضا التحولات التي عرفها الرأسمال المغربي منذ الثمانينيات مع استحواذ مجموعة أومنيوم شمال إفريقيا على المحفظة الاستثمارية لبنك باريبا وتوسعها في قطاعات حيوية، وصولا إلى صفقة اقتناء بنك الوفاء سنة 2004، ومشيرا إلى توجه الرأسمال الخاص نحو قطاعات التوزيع والبناء التي تغيب فيها المنافسة، مع تنامي دور لوبيات الاستيراد في ظل اتفاقيات التبادل الحر، والذي اعتبر التقرير أن رئيس الحكومة المنتهية ولايته عزيز أخنوش يمثل أحد رموزه.
وأكد المركز البحثي أن مؤسسات دولية ووطنية تفاعلت مع هذه الاختلالات الهيكلية، حيث سبق للبنك الدولي أن أعرب سنة 2018 عن أسفه لضعف القطاع الخاص رغم إشادته بالسياسة الاقتصادية العامة للمملكة، كاشفا أن 81.6 بالمائة من فرص العمل في القطاع غير المهيكل توفرها مقاولات تشغل أقل من 10 أفراد، وهي ملاحظات وتوجيهات ما فتئ بنك المغرب يلمح إليها في تقاريره المتعاقبة بأسلوب مؤسساتي دبلوماسي.
وأبرز التقرير التحديات التي يواجهها قطاع الصحة العمومية، مستحضرا النقاش المجتمعي الذي رافق وفاة ثماني نساء في مستشفى بأكادير شهر شتنبر الماضي، والذي اعتبره البعض انعكاسا لتفاوتات في النظام الصحي، ومشيرا إلى أن فئة من الشباب تطرح تساؤلات حول التوازن بين الاستثمارات الضخمة الموجهة لتشييد كبريات الملاعب استعدادا لاحتضان كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، وبين الحاجة الملحة للارتقاء بالبنيات التحتية الصحية في إطار الدولة الاجتماعية.
وخلص تحليل المعهد الملكي إلكانو إلى أن الملك محمد السادس، الذي نجح في تقليص معدلات الفقر في البلاد بشكل ملموس منذ اعتلائه العرش سنة 1999، يحيط علما بأهمية تسريع الإصلاحات الاقتصادية لتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة وخلق فرص الشغل وتفادي أي احتقان اجتماعي، ناقلا عن الخبير الاقتصادي المغربي جمال بوعياد دعوته لإرساء تعاقد اجتماعي جديد بدل الاكتفاء بخطط التنمية، ومختتما بالاعتماد على مخرجات كتاب “لماذا تفشل الأمم” للإشارة إلى أن الرخاء الدائم واستقرار المملكة المستقبلي يرتكزان على جودة المؤسسات والمنافسة العادلة وتكافؤ الفرص لضمان الارتقاء الاجتماعي لكافة الشباب المغاربة.
المصدر:
العمق