كشفت دراسة حديثة نشرها “المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية” في برلين أن “استدعاء مجلس الأمن القومي الإسباني للانعقاد، هذا الشهر، وتفعيل قوانين الطوارئ، يمثل نقطة تحول استراتيجية؛ حيث انتقلت مدريد من المقاربة الأمنية المحلية إلى مقاربة الأمن السيادي الموجه أوروبيا”.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها قتيبة قاسم العرب، خبير دولي في القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان والإرهاب، والتي حاولت استشراف المسارات القادمة للعلاقات الثنائية بين مدريد والرباط عبر تفكيك أوراق القوة الارتدادية ومحددات المصالح العليا المشتركة، أن “الدولة الإسبانية، بدعم من الاتحاد الأوروبي، تسعى إلى ابتداع آليات تشريعية وإجرائية تتيح لها تسريع عمليات الطرد الفوري للمهاجرين عند السياج الحدودي لسبتة دون الوقوع تحت طائلة الإدانة القضائية الدولية”.
وأشارت الدراسة ذاتها إلى أن “تبني إسبانيا لمقاربة تشريعية متشددة ومستوحاة من التوجهات الأوروبية الصارمة يهدف بالأساس إلى نقل عبء المواجهة الحدودية مع المغرب من النطاق الثنائي (مدريد – الرباط) إلى النطاق الجماعي (بروكسل – الرباط)؛ ومع ذلك، فإن نجاح هذه الهندسة القانونية يظل مشروطا ومقيدا بحدود التوازن الميداني والبراغماتية الجيوسياسية التي تفرضها ملفات المصالح المشتركة الكبرى بين البلدين”.
سجلت الدراسة أن “أحداث سبتة الأخيرة تسببت في تصدع سياسي داخل الحكومة الائتلافية الإسبانية”، مبرزة أن “التضارب العلني في تصريحات الحكومة يتجاوز مجرد خلل تواصلي بين الوزارات؛ ليتقاطع مباشرة مع ضغوط الاستهلاك الانتخابي والتحصين الحزبي داخل إسبانيا، إذ يتحرك رئيس الحكومة بيدرو سانشيز تحت وطأة رقابة شرسة وتجاذبات حادة من أحزاب المعارضة اليمينية، التي توظف ملف الهجرة كأداة رئيسية لاستقطاب الناخبين وهز استقرار الحكومة”.
وشرح المصدر ذاته بأن “استدعاء مجلس الأمن القومي وتدويل الملف أوروبيا لعام 2026 لم يكن مجرد استجابة ميدانية، بل صُمم ليكون درعا سياسيا داخليا؛ حيث تسعى الحكومة من خلاله إلى إثبات حزمها أمام الرأي العام الإسباني، وقطع الطريق على مزايدات اليمين عبر تحويل عبء حماية الحدود إلى نجاح مؤسساتي ومالي مشترك مع المفوضية الأوروبية في بروكسل”.
وذكر المستند عينه أن “تفعيل إسبانيا لمقتضيات الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء يتطلب فاتورة مالية باهظة لتحويل سبتة إلى ‘منطقة تصفية وفرز حدودية متطورة’، حيث تعتمد مدريد بشكل كامل على تمويلات ‘صندوق اللجوء والهجرة والاندماج’ التابع للاتحاد الأوروبي، وصندوق الأمن الداخلي”.
بيّنت الدراسة أن “المقاربة الإسبانية لم تتوقف عند حدود صياغة المراسيم وتعديل القوانين داخليا؛ بل انتقلت مدريد فورا إلى مرحلة التدويل الإجرائي الفعلي للأزمة في أروقة المفوضية الأوروبية ببروكسل، حيث تقدمت الحكومة الإسبانية بطلب رسمي وعاجل إلى المفوضية الأوروبية لتفعيل ‘صندوق الطوارئ الاستثنائي’ التابع لصندوق اللجوء والهجرة والاندماج الأوروبي، بهدف نقل العبء المالي المباشر لإدارة تدفقات سبتة وتغطية تكاليف مراكز الفرز ورعاية 2500 قاصر إلى الميزانية الأوروبية المشتركة”.
وتابعت بأن “مدريد تدرك أن المغرب يرفض رفضا قاطعا تدويل حدود مدينتي سبتة ومليلية باعتبارهما أراضٍ يطالب بسيادتها، ويرى في وجود أي قوات أوروبية مشتركة مثل ‘فرونتكس’ محاولة لتثبيت خط حدودي دولي بقرار أوروبي جماعي. بالتالي، فإن تلويح إسبانيا بمأسسة الدعم الدولي وتفعيل المساعدات الطارئة هو بمثابة محاولة الضغط على الرباط لتشديد حراستها الميدانية لتجنب سيناريو تدويل الحدود وفرض أمر واقع مؤسساتي مدعوم من بروكسل”.
وأوضح معد الدراسة أن “العلاقات الإسبانية – المغربية تتحرك في مساحة رمادية محكومة بتوازن دقيق بين أدوات الردع الأوروبية الجديدة وبين أوراق القوة التي يمتلكها المغرب، على رأسها التعاون الاستخباراتي الاستراتيجي ضد الإرهاب”، متوقعا أن “يتوصل الرباط ومدريد إلى نمط من الدبلوماسية الصامتة لإدارة الأمر الواقع”.
وزاد شارحا: “بموجب هذا المسار، ستمضي مدريد في تفعيل إصلاحاتها التشريعية وتأمين الدعم المالي من بروكسل لتحصين الجبهة الحزبية والانتخابية داخليا، مع تجنب توجيه اتهامات سياسية صدامية للمغرب. في المقابل، ستُبدي الرباط مرونة ميدانية عبر تشديد الحراسة المادية لمنع الاقتحامات الكبرى، مع تفعيل قنوات إدارية وقانونية هادئة لتسريع لم الشمل العائلي للقاصرين غير المصحوبين بما يتوافق مع أطر المعاهدات المشتركة، لضمان ديمومة الشراكة الاستراتيجية والتنسيق الأمني والاقتصادي المستمر”.
استبعدت دراسة “المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية “تدويل الصدام أو إعادة صياغة قواعد الاشتباك، إذ يرتبط هذا المسار بحدوث انهيار ميداني مفاجئ وفقدان الحكومة الإسبانية السيطرة على خطوط التماس نتيجة موجات تدفق استثنائية، حيث يفرض هذا الوضع على مدريد الاحتماء الكامل بالمظلة الأوروبية، عبر طلب نشر مكثف لقوات ‘فرونتكس’؛ وهو ما سيواجهه المغرب برفض استراتيجي حاسم؛ كونه يمس رؤيته السيادية للمنطقة ويرسم خطا حدوديا دوليا بقرار أوروبي جماعي، مما قد يدفع الرباط لردود فعل راديكالية تشمل تعليق اتفاقيات التبادل التجاري ودخول العلاقات الثنائية في نفق الصدام الدبلوماسي الشامل”.
وسجلت المستند عينه أن “العلاقات الإسبانية – المغربية، رغم ما تتعرض له من اهتزازات دورية بسبب ملف الهجرة وضغوط الأمن السيادي، تظل محكومة بسقف مصالح عليا يمنع انزلاقها نحو الصدام الشامل أو الانهيار البنيوي”، مشددة على أن “مشروع التنظيم المشترك لكأس العالم 2030 (إسبانيا، المغرب، البرتغال) يبرز ككابح جيوسياسي واستراتيجي في هذه المرحلة؛ إذ يدرك صناع القرار في مدريد والرباط أن نجاح هذا الحدث العالمي يتطلب استقرارا سياسيا وتنسيقا أمنيا ولوجستيا غير مسبوق عابر للمتوسط”.
وخلصت الدراسة إلى أن “كلفة الفشل أو الصدام الدبلوماسي ستكون باهظة جدا على صورة البلدين أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) والاستثمارات العالمية المنتظرة. وبناء عليه، ستظل البراغماتية السياسية والمصالح الاقتصادية المتبادلة هي البوصلة التي توجه البلدين لامتصاص الأزمة الحالية، وتحويل خطوط التماس من ساحة مواجهة تشريعية وأمنية إلى ملف يُدار عبر التنسيق الأمني الهادئ والاتفاقيات الثنائية المتوازنة”.
المصدر:
هسبريس