هبة بريس- ع محياوي
تدخل المنظومة الصحية بجهة فاس-مكناس، ابتداءً من يوم غد الثلاثاء فاتح شتنبر، مرحلة جديدة مع الشروع الفعلي في تنزيل تجربة المجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس، في إطار ورش إعادة تنظيم وتحديث الحكامة الصحية وتعزيز التكامل بين مختلف مستويات العرض الصحي.
وتشمل المجموعة الجديدة عمالتي فاس ومكناس، إلى جانب أقاليم تازة وتاونات وصفرو والحاجب وإفران وبولمان ومولاي يعقوب، بما يجعلها إطاراً ترابياً واسعاً يراد من خلاله توحيد وتنسيق التدبير الصحي على مستوى الجهة، وتحسين التكامل بين المؤسسات الصحية بمختلف مستوياتها.
وستتولى قيادة هذه المرحلة البروفيسور عبد الكريم الداودي، الذي عُيّن مديراً عاماً للمجموعة الصحية الترابية لجهة فاس-مكناس، فيما أسندت مهمة رئيس المجال الصحي بتازة بالنيابة إلى هشام العلوي، المندوب الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بتازة.
ويأتي دخول المجموعة الصحية الترابية حيز العمل في سياق تظل فيه مسألة العدالة المجالية في الولوج إلى العلاج واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الصحية بالجهة.
فالتفاوت في توزيع الخدمات والتخصصات والموارد البشرية بين مختلف الأقاليم يجعل عدداً من المرضى، خصوصاً القاطنين بالمناطق القروية والجبلية، مضطرين إلى التنقل نحو فاس أو مكناس للاستفادة من خدمات صحية متخصصة، الأمر الذي يرفع الضغط على المؤسسات الاستشفائية المرجعية، ويطرح في المقابل ضرورة تعزيز قدرات المستشفيات الإقليمية وتأهيلها للقيام بالأدوار المنوطة بها.
وفي هذا السياق، يظل المركز الاستشفائي الجامعي الحسن الثاني بفاس أحد أبرز مكونات العرض الصحي الجهوي، بالنظر إلى طبيعة الحالات المعقدة التي يستقبلها من مختلف أقاليم الجهة، وهو ما يجعل إعادة تنظيم مسارات الإحالة والتكفل بالحالات من بين الملفات الأساسية المطروحة أمام المجموعة الجديدة.
كما تواجه المؤسسات الصحية بمدينة مكناس بدورها تحديات مرتبطة بالموارد البشرية وتنظيم الخدمات والقدرة على الاستجابة للطلب المتزايد على العلاج، بما يستدعي اعتماد مقاربة أكثر تكاملاً بين المؤسسات الصحية، وتوزيعاً أكثر نجاعة للأدوار والاختصاصات.
ومن المنتظر أن يشكل تحسين مسارات الإحالة بين المستويات المختلفة للعلاج أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح التجربة الجديدة، بما يضمن توجيه كل مريض إلى المؤسسة الصحية القادرة على التكفل بحالته، بدل استمرار تركيز عدد كبير من الحالات على المستشفيات المرجعية بفاس ومكناس.
وتتجاوز هذه المقاربة مجرد إعادة تنظيم إداري للمؤسسات الصحية، لتطرح تحدياً أكبر يتمثل في بناء منظومة متكاملة يكون فيها المستشفى الإقليمي قادراً على أداء وظائفه بكفاءة، والمراكز الصحية الأولية قادرة على القيام بدورها في الوقاية والتشخيص والتكفل الأولي، فيما تتولى المؤسسات المرجعية الحالات التي تتطلب تخصصات وتجهيزات دقيقة.
وبالتوازي مع الأوراش التي تعرفها الجهة في مجال بناء وتأهيل وتجهيز المؤسسات الصحية، سيكون الاختبار الحقيقي أمام المجموعة الصحية الترابية هو ضمان انتقال هذه المشاريع من مرحلة الإنجاز المادي إلى مرحلة تقديم خدمات صحية فعلية ومستدامة.
ومع انطلاق العمل الفعلي للمجموعة الصحية الترابية بجهة فاس-مكناس، تتجه الأنظار إلى مدى قدرتها على تحويل أهداف إصلاح المنظومة الصحية إلى نتائج ملموسة بالنسبة للمواطن.
فالرهان لا يتعلق فقط بتغيير أساليب التدبير، وإنما بمدى انعكاس هذا التحول على تقريب العلاج من المواطنين، وتقليص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي، وتحسين جودة الاستقبال والتكفل، وتوفير التخصصات الضرورية، وتخفيف الضغط عن المؤسسات الاستشفائية المرجعية.
وبذلك، سيكون نجاح التجربة الجديدة مرتبطاً أساساً بما ستنتجه على أرض الواقع من خدمات صحية أكثر قرباً ونجاعة وإنصافاً، وبقدرتها على بناء منظومة جهوية متكاملة تجعل المواطن محور عملية الإصلاح، وتضمن لكل إقليم ومجال ترابي نصيبه من الخدمات الصحية وفق حاجياته وإمكاناته.
المصدر:
هبة بريس