آخر الأخبار

المحكمة الدستورية والتمثيلية الوطنية .. أين تنتهي الرقابة ويبدأ الحكم؟

شارك

يلاحظ المتتبع للشأن العام المغربي خلال هذه الولاية التشريعية الحضور القوي لقرارات المحكمة الدستورية في الحياة السياسية المغربية، سواء تعلق الأمر بالخرجات الإعلامية لرئيس المحكمة الدستورية (الصفة الجامعية والصفة الدستورية) أو من خلال طبيعة القرارات التي أصدرتها هذه الأخيرة والتي همت بالأساس التحكيم في القضايا التي تخص مربع الأغلبية والأقلية ومربع الحاكمين والمحكومين.

هذا الحضور القوي للمحكمة الدستورية في الحياة السياسية المغربية وإن كان يبعث برسائل قوية فيما يتعلق بالشق الذي يهم بناء دولة الحق والقانون، من خلال التأكيد على أن كل سلطة كيفما كانت قوتها تمارس من خلال رقابة القاضي، إلا أنه يبعث كذلك برسائل سلبية متعلقة بالمخاوف المرتبطة بتحول قضاة المحكمة الدستورية إلى قضاة يحكمون (الحلول محل الحكومة، من خلال العمل على عرقلة تنفيذ البرنامج الحكومي-الفصل التاسع والثمانون من الدستور) أو أن يتحول قضاة المحكمة الدستورية إلى قضاة مشرعين (الحلول محل البرلمان، من خلال ممارسة السلطة التشريعية بدل البرلمان-الفصل السبعون من الدستور)، مما يعني إمكانية انتقال قضاة المحكمة الدستورية من مربع قضاة يساهمون في بناء دولة الحق والقانون إلى قضاة يرسخون على أرض الواقع “حكومة القضاة”.

خطورة هذه الرسائل تكمن في تزامنها مع الاستعداد للانتخابات المقبلة، وهو زمن سياسي بامتياز، من المفروض أن تبعث من خلاله المؤسسات السياسية (وحتى المحكمة الدستورية) رسائل إيجابية إلى الشعب الانتخابي والسلطة الانتخابية، تؤكد من خلالها أن الشعب الانتخابي هو كذلك لاعب قوي في الحياة السياسية، وأن اختياراته المرسخة من خلال اليوم الانتخابي تلعب دورا مفصليا وكبيرا في تغيير بوصلة الحكم وتغيير البرامج وتغيير القوانين وتغيير المراسيم وتغيير طرق التنفيذ، وأنه ليس فقط متفرج أمام مشهد سياسي مكبل بالحضور القوي لرقابة المحكمة الدستورية.

الرسائل الإيجابية إلى الشعب الانتخابي تتطلب كذلك العمل على شرعنة الاشتغال بشكل أوسع من داخل المربع السياسي (من خلال عمل السلطة السياسية على تعزيز الرقابة القانونية داخل أجهزتها، والقدرة على حل الخلافات ما بين الأغلبية والأقلية داخل مربع الفعل السياسي) وفقط عند اللزوم أو في حالة الخلاف السياسي الحاد الانتقال إلى طلب الحسم في الخلاف من المحكمة الدستورية.

أولا: الحياة السياسية بالمغرب وصعوبة البحث عن خلطة تمكن من تعايش الدستور السياسي والدستور القانوني

الدستور السياسي المغربي (الفصول الدستورية التي تحدد عمل المؤسسات السياسية) من خلال مجموعة من الفصول يمنح للبرلمان المغربي سلطة “توفر الإرادة”، يعني القدرة، وهكذا ينص الفصل الثاني من الدستور على أن “السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها”، وهنا يؤكد المشرع الدستوري على قوة فعل “الانتخاب” وثنائية “الشعب-ممثلي الشعب المنتخبين”، أما الفصل السادس من الدستور المغربي فيؤكد كذلك على أن “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة”.

في تفسيره لهذه الصيغة الدستورية، سيعتبر الفقيه لويس فافيرو أن المفهوم التقليدي للسيادة ارتبط تاريخيا بفكرة أن القانون، باعتباره أسمى تعبير عن إرادة الأمة، يدفعنا إلى الاستنتاج بعدم وجود أية سلطة وأية محكمة كيفما كان نوعهما قادرة على الاعتراض على الإرادة المعبر عنها من طرف ممثلي الأمة.

إذا كان الدستور السياسي اعتمد على صلابة بناء هيكله، من خلال قاعدة أن الشعب ينتخب ممثليه (البناء من تحت) من خلال التفويض الشعبي، وبالتالي منح لمؤسساته شرعية شعبية، تمكنهم عمليا من امتلاك سلطة القول الفصل والقول النهائي، فإن الدستور القانوني-على عكس ذلك-من خلال الفصل مئة وثلاثين من الدستور، وتأكيده على أن “تتألف المحكمة الدستورية من اثنى عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد”، جعل الدستور القانوني يعتمد على التعيين (غياب الانتخاب وغياب التفويض الشعبي، وترسيخ البناء الفوقي بدل البناء القاعدي)، مما جعله يعتمد على هيكل نخبوي لا يملك أي تفويض شعبي، وبالتالي يفتقد صلابة البناء التي اعتمدها الدستور السياسي.

صلابة البناء القانوني التي اعتمدها الدستور السياسي أمام الدستور القانوني (ونعني به خصوصا فصول الدستور المتعلقة بالمحكمة الدستورية)، فتحت الباب على مصراعيه في غالبية التجارب الدولية على خلافات حادة في التأويل الدستوري بين قضاة المحكمة الدستورية والأغلبية البرلمانية، أمام أعين الرأي العام الوطني.

وهكذا، عملت التمثيلية الوطنية في غالبية الدول على الاحتجاج على وقوف نخبة معينة (التعيين) من القضاة في وجه ممثلي الأمة المنتخبين الذين يمثلون الإرادة “الأغلبية” الشعبية، وهو المشكل نفسه المعاش حتى في التجارب الدولية، وفي هذا السياق نستحضر ما صرح به بيير جوكس عندما قال: “لقد وقف تسعة من الحكماء المعينين بالمجلس الدستوري الفرنسي في وجه ملايين من الفرنسيين صوتوا للرئيس فرانسوا ميتران في الانتخابات الرئاسية الأخيرة”. وفي السياق نفسه، سيقول ليونيل جوسبان تعليقا على أحد قرارات المجلس الدستوري الفرنسي: “إنها المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة التي يعمد فيها المجلس الدستوري إلى منع نشر قانون عمل رئيس الدولة والجمعية الوطنية المنتخبة بشكل شرعي على إقرار تفعيله”. أما الأمين العام للحكومة الفرنسية السابق فسيؤكد أن المجلس الدستوري يمنع الحكومة من تطبيق برنامجها الحكومي من خلال التقرير ليس عبر فرض احترام القاعدة الدستورية ولكن من خلال تفسيرها، وهذا يشكل انحرافا واضحا”.

غياب صلابة بناء الدستور القانوني أمام الدستور السياسي سيدفع الباحث الدستوري الفرنسي أندري هوريو إلى القول إن “ولادة وتطور المجلس الدستوري الفرنسي قد تمت في إطار مربع الغموض، خصوصا وأن اختصاصاته تجعل منه مؤسسة قضائية بينما طريقة تعيين أعضائه وتشكيلته الفعلية تجعل منه مؤسسة ذات طابع سياسي”.

رغم غياب صلابة البناء داخل مربع الدستور القانوني أمام الدستور السياسي، إلا أن قوة الدستور القانوني تكمن في قدرته على تعطيل وشل إرادة السلطة السياسية (وخصوصا ممثلي الأمة). وفي هذا السياق، ستؤكد المادة مئة وأربعة وثلاثون من الدستور على أنه “لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 132 من هذا الدستور، ولا تطبيقه، وينسخ كل مقتضى تم التصريح بعدم دستوريته على أساس الفصل 132 من الدستور ابتداء من التاريخ الذي حددته المحكمة الدستورية في قرارها”، وهو ما سيؤكده الفقيه القانوني الفرنسي مارسيل والين بقوله إن المجلس الدستوري الفرنسي ليس مؤسسة استشارية كما يعتقد جزء كبير من الرأي العام، ولكنه في الحقيقة محكمة دستورية لا يتحدد دورها في إعطاء آراء ولكن في إصدار قرارات تتمتع بسلطة الشيء المقضي، والتي لا يمكن أن تكون محل نقد لا من طرف البرلمان ولا الحكومة ولا الإدارة ولا أي قاض كيفما كان نوعه.

أما أستاذ القانون الدستوري في الجامعات الفرنسية جون بلويس فسيؤكد على أن “اختصاصات المجلس الدستوري تندرج في إطار تقوية التأطير القانوني للمؤسسات على حساب التأطير السياسي”، وخطورة هذه التقوية تكمن في قدرتها على التأثير على استمرارية الحياة الوطنية من خلال التأثير على القدرة على التشريع والقدرة على الحكم.

ثانيا: مراقبة المحكمة الدستورية بالمغرب ترسخ فعليا ديمقراطية جديدة

الباحث في القانون الدستوري جاك كماي سيبتكر مفهوم القانون المرجع باعتباره عقلنة مفروضة على السلطة السياسية، تفرض وجود مؤسسات لمراقبة السلطة السياسية حتى لا يتم الانحراف في استعمال السلطة (السلطة السياسية)، دسترة المحكمة الدستورية وجعلها قادرة على إصدار حكم يمتلك قوة الشيء المقضي، هو في حقيقة الأمر إنشاء لمؤسسات ضد مؤسسات الأغلبية، كما سيؤكد السياسي والقانوني الفرنسي ايمانويل جوزيف سييز.

إنشاء مؤسسة ضد مؤسسات الأغلبية، يعمل فعليا على تمهيد الطريق لولادة نظام سياسي متطابق مع نموذج جديد للديمقراطية، فإذا كان الدستور السياسي يعمل على ترسيخ مبدأ أن “القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة”، فإن الدستور القانوني يرسخ قاعدة أن “القانون الذي تم التصويت عليه لا يعبر عن الإرادة العامة إلا إذا كانت القاعدة القانونية تحترم الدستور”.

شرعنة القاعدة القانونية التي تحترم الدستور من خلال مراقبة المحكمة الدستورية عملت على شرعنة النقاشات السياسية وكذلك النقاشات الدستورية، ورسخ بالتالي نوعين من التعليل والتفسير، واحد يعتمد على الطابع السياسي والإيديولوجي ويتميز بكونه ظرفيا، ونقاش آخر ذو طابع موضوعي يغلب عليه الطابع التحليل القانوني. مما يعني أن تدخل المجلس الدستوري من خلال مراقبة مدى احترام القاعدة القانونية للدستور يؤسس عمليا لما يطلق عليه ديمقراطية الموضوع (مراقبة مدى احترام موضوع القاعدة القانونية للدستور)، إلى جانب الديمقراطية التمثيلية التي تؤسس فعليا للديمقراطية المسطرية (احترام المسطرة التشريعية)، كما عمل كذلك على شرعنة زمنين دستورين وزمنين مسطرين متكاملين للتعبير عن الإرادة العامة.

كما أن ثنائية الشرعية السياسية والشرعية القانونية ترسخ فعليا ديمقراطية تعمل على تغيير قواعد اللعبة السياسية من خلال الانتقال بها من ديمقراطية الأغلبية إلى ديمقراطية الأقلية من خلال تمكين الأقلية البرلمانية من المطالبة بنقاش جديد للقواعد القانونية المصوت عليها من طرف الأغلبية.

تنصيص الفصل مئة وثلاثين من الدستور على أن أعضاء المحكمة الدستورية يختارون من بين الشخصيات المتوفرة على تكوين عال في مجال القانون، وعلى كفاءة قضائية أو فقهية أو إدارية، والذين مارسوا مهنتهم لمدة تفوق خمس عشرة سنة، والمشهود لهم بالتجرد والنزاهة، يعني بالأساس ترسيخ شرعية جديدة تعتمد على نوع جديد من التمثيلية مختلف عن التمثيلية السياسية (المعتمدة على الشرعية الانتخابية والتفويض الشعبي)، وهو ما يطلق عليه التمثيلية المعتمدة على شرعية المعرفة وشرعية التخصص وشرعية الخبرة.

ثالثا: المحكمة الدستورية والتمثيلية الوطنية

إنشاء المحكمة الدستورية بالمغرب يفتح الباب على مصراعيه على نوع جديد من الصراع بين المؤسسات السياسية (البرلمان-الحكومة) والمؤسسة القانونية (المحكمة الدستورية) أمام أعين الرأي العام الوطني.

قوة السلطة السياسية أمام السلطة القانونية لا تتمثل فقط في قوة وصلابة البناء الدستوري أمام المحكمة الدستورية، بل تتمثل كذلك في طبيعة ونوعية الاختصاص، حيث يمتلك ممثلو الأمة صلاحية واسعة في صناعة القاعدة القانونية ويطالبون فقط باحترام مجال اختصاص القانون والسقف الذي يضعه الدستور، بينما اختصاص المحكمة الدستورية محصور في مراقبة مدى احترام القاعدة القانونية للدستور.

مما يعني أن المحكمة الدستورية من حيث تدخلها ومن حيث اختصاصها هي سلطة مقيدة بمراقبة مدى دستورية قانون (الفصل مئة وثلاثة وثلاثون من الدستور)، وبالتالي مطالبة بالقيام بالتفسير المقيد والتفسير الذي لا يقبل مجالا للشك والتفسير الذي يعتمد على صلابة البناء الدستوري والقانوني والذي لا تتناطح على تفسيره عنزتان (الباحث في القانون الدستوري مارسيل بريلوت)، حتى لا يتهم قضاة المجلس الدستوري من خلال تفسيرهم للدستور بأنهم يصنعون دستورا جديدا، وهنا نذكر بما سبق وأكد عليه القانوني الفرنسي ميشيل طروبر عندما قال “إن من يفسر القانون يصنع في الحقيقة قانونا جديدا”.

المجلس الدستوري الفرنسي من خلال قراره الصادر بتاريخ 15 يناير 1975، سيؤكد على أن الفصل الواحد والستين من الدستور الفرنسي لا يمنح للمجلس الدستوري سلطة عامة للتقدير والقرار كما هو الشأن بالنسبة للبرلمان الفرنسي، مما سيدفع الباحث الدستوري الفرنسي جون ريفيري إلى التعليق عليه قائلا: “هذا قرار صادر عن قضاة دستوريين يثبتون أنهم لا يريدون أن يحكموا”.

مما يؤكد أن المحكمة الدستورية عليها أن تثبت من خلال قراراتها أنها لا تريد أن تحكم، وكذلك لا تريد أن تشرع، ويفرض عليها بالتالي الحرص الشديد على احترام مجال الدستور السياسي عند ممارستها لمهامها، من خلال احترام مربع الاختصاص الرحب والواسع الموكل دستوريا للشرعية التمثيلية.

كما أن التمثيلية الوطنية مفروض عليها كذلك العمل على احترام الدستور في مرحلة المسطرة التشريعية حتى ترسخ فعليا صلابة بنائها الدستوري.

الخلاصة

احترام القاعدة القانونية التي صوتت عليها الأغلبية البرلمانية المنبثقة عن انتخابات سنة 2021 للدستور الذي صوت عليه الشعب من خلال استفتاء سنة 2011، تطرح بالنسبة للباحث في العلوم السياسية وجود شرعيتين، الشرعية التمثيلية المنبثقة عن الانتخابات الأخيرة سنة 2021، والشرعية الدستورية المنبثقة عن استفتاء فاتح يوليوز 2011، مما سيدفع السوسيولوجي الفرنسي بيير روزنفلون إلى الحديث عن الإرادة العامة القديمة والإدارة العامة الحديثة والشرعية القديمة والشرعية الحديثة.

لهذا، من المفروض على المحكمة الدستورية المغربية العمل على البحث عن خلطة تمزج بين ثنائية الشعب الذي صوت على الدستور الأخير أو الإرادة والشرعية القديمة، والشعب الذي صوت في الانتخابات الأخيرة؛ أي الشرعية الحديثة من خلال أغلبيتها السياسية.

وسيؤكد الباحث في القانون الدستوري الفرنسي دومنيك تيربان على أن مجموعة من اجتهادات المجلس الدستوري الفرنسي عملت أولا على احترام القاعدة الدستورية، وعملت كذلك على جعل الدستور ينسجم مع روح العصر من خلال مجموعة من عمليات التحديث والعصرنة.

من جهة أخرى، على المحكمة الدستورية المغربية أن تعرف أن القواعد الدستورية تحتمل قراءات متنوعة ومتعددة، خصوصا في الديمقراطيات الحديثة. وبالتالي، عليها أن تعرف أن الهامش ما بين احترام الدستور وشرعنة قواعد دستورية جديدة يضيق، ويفرض على المحكمة الدستورية المغربية تقليص مجال ممارسة اختصاصها أمام توسع مجال اختصاص السلطة السياسية، حتى لا تتهم المحكمة الدستورية بالحكم أو التشريع نيابة عن ممثلي الأمة، وحتى لا تتهم كذلك بأنها تحاول أن تشرعن “حكومة القضاة”.

احترام الاختصاص الأصلي المحض للمحكمة الدستورية هو الكفيل ببعث رسائل الطمأنة إلى الشعب المغربي الذي يستعد اليوم للذهاب إلى الزمن الانتخابي بكل ما يعنيه ذلك من رسائل سياسية وقانونية بأنه قادر على تغيير البوصلة من خلال تغيير السياسات ومن خلال تشريع جديد ومن خلال طرق حكم جديدة إن أراد، وبأنه ليس فقط شعب عاجز (من خلال عجز ممثليه المنتخبين) أمام رقابة المحكمة الدستورية.

* باحث في العلوم السياسية والمالية العامة
هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا