آخر الأخبار

باحثة بأكسفورد تفكك “العبور الكبير” إلى سبتة: لا دليل على عقل مدبر والخوارزميات صنعت الزخم

شارك

سلطت دراسة تحليلية حديثة الضوء على الدور الذي لعبته منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا فيسبوك وتيكتوك، في تسريع موجة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة من يوليوز، معتبرة أن ما حدث لا يحتاج بالضرورة إلى وجود “جهة مركزية” تدير التحركات، بقدر ما يعكس قدرة الشبكات الاجتماعية والخوارزميات على تحويل آلاف القرارات الفردية إلى حركة جماعية واسعة.

وجاء هذا التحليل في مقال رأي نشرته وكالة “بلومبرغ”، للمغربية مريم شرتي، الباحثة الأولى بالمركز المعني بالهجرة والسياسات والمجتمع «COMPAS» التابع لجامعة أكسفورد، والتي قالت إن المشاهد التي عرفتها الحدود المغربية مع سبتة كانت “غير مسبوقة”.

وترى الباحثة أن تفسير ما وقع باعتباره تحركا “عفويا بالكامل” أو عملية “منظمة بالكامل” لا يعكس تعقيد الظاهرة، معتبرة أن التحرك الأخير ربما نشأ من تواصل أفقي بين الأفراد، قبل أن يتم تضخيمه رقميا بواسطة الخوارزميات وشبكات التواصل الاجتماعي.

واستند التحليل إلى بحث سابق تناول محاولة جماعية للهجرة نحو سبتة في شتنبر 2024، من خلال دراسة 180 منشورا عالي التفاعل على فيسبوك وتيكتوك و”إكس” وريديت، حيث أظهرت الدراسة أن أكثر من 80 في المائة من المحتوى كان باللغة الدارجة المغربية، ما اعتبرته مؤشرا على أن النقاش كان محليا في الأساس. كما ظهر فيسبوك وتيكتوك باعتبارهما المنصتين الرئيسيتين لتشجيع محاولات العبور وتوثيقها، بينما استُخدمت “إكس” وريديت بصورة أكبر في التعليق والنقاش.

وتضمنت المنشورات المتداولة، وفق الدراسة، الاحتفاء بمحاولات عبور ناجحة، والتحذير من الغرق، وتبادل معلومات بشأن تحركات الدوريات الأمنية وظروف السباحة، إلى جانب مناقشة إجراءات الهجرة الإسبانية والتعبير عن الإحباط من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

ورغم أن الباحثة لم تجد في هذه المضامين ما يشبه “حملة دعائية مركزية”، فإنها سجلت في المقابل وجود خصائص تشبه الحملات الرقمية المنظمة، من بينها تداول موعد محدد مسبقا، ونشر عد تنازلي وشعارات وصور متكررة أسهمت في خلق إحساس بالهوية الجماعية، مع تسجيل ذروة النشاط يوم 15 شتنبر 2024.

وبخصوص موجة 2026، قالت الباحثة إن الدينامية نفسها ظهرت مجددا، مشيرة إلى أن رسائل مضللة تزعم أن الحدود أصبحت مفتوحة انتشرت بسرعة في المراحل الأولى للأزمة.

كما تحدث المقال عن منشورات بالغ بعضها في تفسير قرار حديث للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بتوسيع ضمانات المسطرة القانونية للمهاجرين القادمين بحرا، فيما اعتبر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أن شبكات تهريب البشر استغلت القرار وقدمت بشأنه تفسيرات مضللة.

ووفق التحليل، أدى انتشار صور أشخاص تمكنوا بالفعل من الوصول إلى سبتة إلى خلق تأثير متسلسل، إذ جعل كل نجاح ظاهر على منصات التواصل محاولة العبور تبدو أسهل وأكثر قابلية للتحقق بالنسبة إلى أشخاص آخرين.

وتزامن ذلك، بحسب المقال، مع ظهور عناصر من حرس الحدود المغربي وكأنها خففت وتيرة التدخل أو توقفت مؤقتا عن اعتراض بعض محاولات العبور، الأمر الذي أثار نقاشا بشأن ما إذا كانت الأزمة تحمل ملامح توظيف للهجرة في الضغط السياسي.

غير أن الباحثة شددت في المقابل على أنه “لا يوجد دليل” على تورط متعمد للدولة في تنظيم التحركات، معتبرة أن ملاحظات مرتبطة بطريقة انتشار القوات أو درجة تدخلها لا تكفي بمفردها لإثبات وجود قرار رسمي بتوجيه موجة الهجرة.

وسجل التحليل أن الرواية الرقمية المرتبطة بالهجرة تغيرت خلال الأزمة نفسها، فبعد انتشار مقاطع تظهر نجاح عمليات الوصول، بدأ أشخاص ممن دخلوا سبتة ينقلون صورة مختلفة عن الواقع الذي وجدوه، حيث تحولت المنشورات تدريجيا من الحديث عن “الفرصة” إلى الحديث عن المخاطر والخسائر، وظهرت نداءات كثيرة للبحث عن مفقودين، بحسب المصدر نفسه.

وترى الباحثة أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تخلق الرغبة في الهجرة من الصفر، لكنها عملت على تجميع وتزامن مظاهر إحباط موجودة أصلا، مستشهدة بمعطيات للمندوبية السامية للتخطيط تشير إلى أن نحو واحد من كل ثلاثة شباب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يوجد خارج العمل والتعليم والتكوين، في حين تحدث مشاركون في موجة العبور عن ضعف الأجور، وندرة فرص الشغل، وضغوط المسؤوليات الأسرية، والاعتقاد بإمكانية إيجاد مستقبل أفضل في إسبانيا.

كما لاحظ البحث أن النقاشات الرقمية بشأن الهجرة كانت تربط قرار المغادرة بمفاهيم من قبيل “الكرامة” و”الحكرة”، لتتحول الهجرة، بالنسبة إلى بعض المشاركين، من مجرد قرار شخصي إلى تعبير عن الشعور بالإقصاء والاحتجاج على البطالة والأوضاع الاجتماعية.

لا دليل على شبكة واحدة تدير العملية

ورغم إقرار المقال بوجود مهربين ووسطاء يستغلون الهجرة غير النظامية، شددت الباحثة على عدم وجود أدلة علنية قوية تحدد شبكة واحدة أو تنظيما سياسيا أو مؤسسة رسمية باعتبارها “العقل المدبر” وراء موجة العبور، مضيفة أن عددا كبيرا من المشاركين وصلوا إلى المنطقة بوسائلهم الخاصة وعبروا سباحة، بدل اللجوء إلى نموذج التهريب التقليدي القائم على قوارب وطاقم ونقل منظم.

وقدمت الدراسة أرقاما لافتة بشأن طريقة تعامل الخوارزميات مع المحتوى المرتبط بالهجرة. ففي عينة سنة 2024، حصلت مقاطع “قصص النجاح” على تيكتوك على مشاهدات تفوق منشورات التحذير بنحو 4.6 مرات، فيما راكم المحتوى المشجع على العبور في فيسبوك أكثر من 50 مليون مشاهدة.

وترى الباحثة أن فيسبوك وتيكتوك لم “ينظما” عملية العبور بالمعنى التقليدي، لكن أنظمة التفاعل والتوصية الخاصة بهما لعبت دورا أساسيا في تحديد الحسابات والروايات التي وصلت إلى جمهور واسع. وبحسب التحليل، جرى تضخيم محتوى النجاحات والطموحات على نحو أكبر، بينما ظلت منشورات التحذير من مخاطر الغرق وصعوبة الوضع داخل سبتة أقل قدرة على المنافسة من حيث الانتشار.

وخلص المقال إلى أن الرد الأمني وحده لن يكون كافيا لمنع تكرار مثل هذه الأحداث، لأن تشديد الحدود قد يدفع شبكات الهجرة إلى البحث عن مسارات أكثر تشتتا وخطورة بدل وقفها بشكل نهائي، حيث دعت الباحثة إلى الجمع بين الاستجابة الأمنية وعمليات الإنقاذ والاستقبال، وفتح تحقيق شفاف في كيفية انهيار منظومة ضبط الحدود خلال موجة العبور، إلى جانب تطوير آليات أسرع لتصحيح الأخبار المضللة داخل الشبكات الاجتماعية المحلية.

كما طالبت بفرض قدر أكبر من الشفافية على منصات التواصل بشأن كيفية عمل خوارزمياتها في تضخيم المحتوى المرتبط بالهجرة عالية المخاطر، معتبرة في خلاصة تحليلها، أن أزمة سبتة لم تكن مجرد أزمة هجرة روجت لها شبكات التواصل، بل شكلا من “الفعل الجماعي الممكن رقميا”، تحولت فيه الهجرة إلى وسيلة للتعبير عن الإحباط والطموح وعدم الرضا السياسي والاجتماعي.

وشددت على أن تصوير جميع المشاركين باعتبارهم ضحايا سلبيين للمهربين لا يقدم تفسيرا كاملا لما وقع، مثلما أن اعتبار الحدث بأكمله مؤامرة مركزية تديرها دولة أو جهة واحدة لا تدعمه الأدلة المتاحة، معتبرة أن التحدي الجديد يكمن في قدرة الهجرة غير النظامية على “تنظيم نفسها” بسرعة وعلى نطاق واسع بفضل البيئة الرقمية.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا