آخر الأخبار

تلميع الجلادين وطمس الضحايا.. “أفريكا ووتش” تتهم البوليساريو والجزائر بتبييض جرائم الأمن العسكري

شارك

انتقد عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، بشدة إقدام الأمين العام لجبهة البوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي، على افتتاح “جامعة صيفية” للأطر بمدينة بومرداس الجزائرية تحمل اسم “سيد أحمد البلال هدة”. واعتبر الكاين أن هذا الاختيار والتكريم الرسمي ليس مجرد احتفاء عابر، بل هو إعادة صياغة متعمدة لسيرة رجل قاد جهاز الأمن العسكري في مخيمات تندوف لعقدين، ومحاولة لتبييض سجله الحقوقي الثقيل المليء بالانتهاكات، وتصويره كـ”بطل” فقد بصره في مهمة قتالية لخدمة الجبهة.

وأوضح الكاين في في مقال رأي توصلت به جريدة “العمق” بشكل حصري أن هذا التلميع يتجاهل وثائق وتقارير دولية محايدة، أبرزها تقرير مؤسسة “فرنسا للحريات” وتقارير آليات أممية معنية بالاختفاء القسري. وأكد أن هذه الهيئات المستقلة وثقت بالدليل وشهادات مئات الأسرى ممارسات تعذيب ممنهج وإعدامات ميدانية وسخرة قسرية، حيث ورد اسم “سيد أحمد البلال” صراحة ضمن أبرز الجلادين الذين أداروا أخطر مراكز الاحتجاز السرية في المنطقة، وأشرفوا على عمليات تصفية وتعذيب المعتقلين خارج نطاق القضاء.

وحذر رئيس منظمة “أفريكا ووتش” من خطورة هذا التبييض الرمزي الذي يستهدف أطر الحركة الانفصالية، معتبرا إياه مسارا مدروسا لزرع نسخة مزيفة من التاريخ في وجدان الأجيال الصحراوية الجديدة. كما حمل الكاين السلطات الجزائرية جزءا كبيرا من المسؤولية، مؤكدا أن استضافتها لهذا الحدث واحتضانها لنظام مخيمات تندوف المغلق يجعلها طرفا فاعلا في عملية تلميع صورة الجلادين، والتستر على الجرائم المرتكبة فوق أراضيها الخاضعة لسيادتها.

وسلط الكاتب الضوء على المفارقة الصارخة المتمثلة في الاحتفاء بـ”الجلاد” وتصويره كشهيد، مقابل الإقبار المتعمد لأسماء مئات الضحايا لتكريس سياسة الإفلات من العقاب. وذكر المقال بأن انتهاكات الرجل شملت أسرى حرب توفي العشرات منهم تحت التعذيب، ومدنيين مغاربة وموريتانيين تعرضوا للاختطاف والاختفاء القسري، مشيرا إلى أن هذه الفئة تم إقصاؤها كليا في محاولة ممنهجة لطمس الذاكرة وإسكات أصوات العائلات التي لا تزال تبحث عن مصير ذويها.

وخلص الكاين في ختام مقاله إلى أن رواية البوليساريو الموجهة للاستهلاك الداخلي لا تملك أي وزن إثباتي. وشدد على أن الخطاب التعبوي الذي يحاول رسم صورة المناضل المضحّي للبلال وغيره من الرموز الأمنية السابقة التي تورطت في جرائم دموية، لا يمكن أن يوازي أو يطمس الحقائق الدامغة التي خلصت إليها لجان التحقيق الميدانية الدولية المستقلة، معتبرا تسمية الجامعة الصيفية باسمه مجرد حلقة في سلسلة يائسة لإعادة كتابة تاريخ ملطخ بالدماء.

وهذا نص المقال كاملا:

سيد أحمد البلال… حين تتحول “الجامعة الصيفية” إلى غطاء لجرائم موثقة

حين اختار إبراهيم غالي، الأمين العام لجبهة البوليساريو، صبيحة الثلاثاء 11 غشت 2026، أن يفتتح بنفسه بولاية بومرداس الجزائرية أشغال جامعة صيفية للأطر الصحراوية تحمل اسم “الشهيد سيد أحمد البلال هدة”، وأن يكرم عائلته أمام حشد رسمي، لم يكن الأمر مجرد طقس احتفائي عابر بذكرى راحل، بل كان إعادة صياغة متعمدة لسيرة رجل حمل لعقدين كاملين مسؤولية جهاز الأمن العسكري في مخيمات تندوف قبل أن ينتقل إلى مواقع قيادية عليا داخل الهيئة التنفيذية ثم الأمانة الوطنية للجبهة.

فحين قدمه غالي في كلمته باعتباره من أوائل المنخرطين في الثورة، وقائدا ميدانيا فقد بصره في مهمة قتالية، وظل رغم إعاقته وفيا لقضيته حتى رحيله، غاب عن الخطاب تماما الملف الحقوقي الثقيل الذي رافق اسم الرجل طيلة مسيرته، وهو تعتيم لا يمكن أن يكون بريئا أو عفويا في بيئة تعرف تماما وزن الأسماء التي تختارها لتتويج فعالياتها.

فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سؤالا أكاديميا مجردا عن هوية الرجل، بل سؤال عن وظيفة هذا الاختيار بالذات، لماذا يستدعى اسم سيد أحمد البلال تحديدا، من بين كل الأسماء الممكنة، ليكون عنوانا لجامعة موجهة لتكوين أطر البوليساريو، أي الفئة المنوط بها استيعاب سردية الجبهة وإعادة إنتاجها للأجيال القادمة؟

والجواب يكمن في وثائق لا علاقة لها بالصراع السياسي المباشر، أبرزها تقرير بعثة تحقيق دولية أجرتها مؤسسة فرنسا للحريات، ذات الصفة الاستشارية لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة، بعد زيارة ميدانية لمخيمات تندوف شملت 700 أسير حرب مغربي و338 مقابلة فردية مباشرة، وثقت من خلالها المنظمة الدولية ممارسات تعذيب ممنهج وإعدامات ميدانية وسخرة قسرية وتجارب طبية دون رضا الضحايا، ورد اسم الرجل صراحة ضمن الجلادين الذين أداروا أحد أخطر مراكز الاحتجاز غير النظامية في المنطقة، حيث كان يدفن ما يقارب معتقلين إلى ثلاثة كل ليلة حتى عام 1998، وهي شهادة صادرة عن جهة حقوقية غربية لا تحمل أي انحياز مسبق لأي طرف، بل أوقفت لاحقا دعمها لمشاريعها في المخيمات احتجاجا على ما اكتشفته من استخدام للعمل القسري.

ومن هذا المنطلق، نعتقد أن تحويل اسم مرتبط بهذا الملف الملطخ بأسوأ الانتهاكات وأكثرها بشاعة في التاريخ، إلى رمز نضالي يستحضر أمام الأجيال الصحراوية الجديدة، وسط احتفاء رسمي رفيع المستوى وعلى أرض جزائرية تتحمل بحكم سيادتها مسؤولية مباشرة عما جرى فوقها، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يشمل مئات ضحايا لا تذكر أسماؤهم في أي خطاب احتفالي، شملت أسرى حرب توفي 121 منهم على الأقل موتا عنيفا في الأسر، ومدنيون مغاربة وموريتانيون اختطفوا خارج أي إطار قانوني، وأسر لا تزال تنتظر حتى اليوم توضيحا لمصير ذويها المفقودين.

وقد لا نختلف أن للبوليساريو روايتها المضادة، التي تقدم الرجل/ الجلاد بوصفه رمز تضحية فقد بصره في مواجهات عسكرية واستمر رغم إعاقته في خدمة البوليساريو، وصحيح أن الجزائر ورديفتها لم تبخل بأي جهد لجعل الملف نزاعاً دولياً وتكييفه كتصفية للاستعمار لم يحسم بعد لصالح أي طرف، غير أن وزن الأدلة يبقى غير متكافئ بين خطاب تعبوي داخلي من جهة، وتقارير بعثات تحقيق ميدانية مستقلة استندت إلى مئات الشهادات المباشرة من جهة أخرى، وهو ما يجعل من عملية إعادة التلميع هذه محاولة لطمس الذاكرة أكثر منها إحياء نزيها لها.

من هو الرجل الذي تحمل الجامعة اسمه؟

تكشف السيرة الفعلية لسيد أحمد البلال هدة، الملقب بـ”سيد أحمد البطل”، عن صورة تتجاوز بكثير الرواية الرسمية المبسطة التي تقدمه كمجرد مناضل ميداني ضحى ببصره من أجل القضية، فالرجل بحسب مصادر صحفية مستقلة تتبعت مساره، تدرج في مواقع حساسة داخل الجهاز القمعي للجبهة، وعلى رأسها إدارة الأمن العسكري خلال عقد الثمانينيات، وهي الفترة الأكثر دموية في تاريخ مخيمات تندوف من حيث الانتهاكات الموثقة، قبل أن ينتقل تدريجيا إلى الواجهة السياسية، وظل في مناصب قيادية حتى وفاته بفيروس كورونا في 26 ماي 2021، حيث انتقل هذا المسار المهني بسلاسة من إدارة أجهزة القمع إلى مواقع الواجهة السياسية، دون أي محاسبة أو مساءلة، يختصر في حد ذاته منطق الإفلات من العقاب الذي حكم بنية الجبهة لعقود.

والمفارقة الأخطر أن اسم هذا الرجل لم يرد في خطاب سياسي معاد أو رواية طرف متحامل، بل ورد صراحة في وثائق دولية محايدة كل الحياد عن النزاع القائم كبعثة دانييل ميتران وتقارير الفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري والقضايا المرفوعة امام المحاكم الاسبانية، وهي هيئات حقوقية مستقلة. ولم يكن عمل هذه الاليات عملا عابرا أو انطباعيا، بل نتاج عمل ميداني وأكاديمي وتوثيقي، خلص إلى توثيق ممارسات تعذيب ممنهج، وإعدامات ميدانية، وتجارب طبية أُجريت على المعتقلين دون رضاهم، داخل شبكة من مراكز الاعتقال المنتشرة في المنطقة، حيث ظل يتداول إسم سيد احمد البلال بوصفه جلادا مسؤولا عن عمليات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري والتعذيب لعقدين من الزمن.

وما يمنح هذه الشهادات ثقلا استثنائيا هو مصدرها ذاته، فهي ليست مزاعم إعلامية متناثرة، ولا خطابا دعائيا صادرا عن طرف منخرط في الصراع السياسي، بل استنتاج عمل تحقيقي وتوثيقي ميداني مستقل أنجزته اليات أممية ومنظمات غير حكومية دولية، وهذا ما يفسر لماذا كانت توصياتها وقراراتها منتقدة لرصيد البوليساريو الانتهاكي بشدة، ويعد بمثابة شهادة إضافية على مصداقية ما وثقته، مستندة إلى أدلة دامغة يصعب معها الاستمرار في الصمت أو التغاضي.

حين يصبح الجلاد شهيدا، وآليات تشكيل الذاكرة الجماعية

لا نعتقد أن ما يحدث اليوم مجرد احتفاء عابر برجل رحل عن الدنيا، وإنما مسار مدروس لصياغة سيرة جديدة لشخص اقترن اسمه بواحد من أشد معتقلات تندوف قسوة، ليتحول إلى أيقونة نضالية تستحضر أمام أجيال صحراوية لم تعاصر تلك الحقبة، حيث تكمن الخطورة في أبعاد متشابكة تتجاوز مجرد تسمية مكان أو حدث أو تخليد ذكرى.

فالجامعة الصيفية بحكم طبيعتها، ليست فضاء احتفاليا محضا، بل أداة تكوينية موجهة أساسا إلى أطر الحركة الانفصالية، أي إلى تلك الفئة المنوط بها استيعاب الخطاب الرسمي للجبهة وإعادة بثه لاحقا في محيطها، وحين يستبدل اسم الجلاد باسم البطل، فإن ما يزرع في وجدان الأجيال الصحراوية القادمة ليس الوقائع كما جرت، بل نسخة معدلة منها، أُعيدت صياغتها لتخدم سردية بعينها.

أما البعد الثاني فيتصل باستضافة الحدث فوق الأراضي الجزائرية وبحضور رسمي رفيع فيه، وهو ما يجعل من الجزائر في نظرنا طرفا فاعلا في عملية التلميع هذه، لا مجرد دولة مضيفة محايدة تستقبل لاجئين كما تروج لصورتها في المحافل الدولية، فبوصفها الدولة صاحبة السيادة على الأراضي التي تقوم عليها مخيمات تندوف، تتحمل الجزائر جزءا من المسؤولية عما جرى فيها، سواء عبر تورط عناصر أمنية تابعة لها في عمليات الاستجواب، أو عبر السماح باستمرار نظام مغلق ظل بمنأى عن أي رقابة دولية فعلية طيلة عقود.

ولا يفهم هذا النمط من التبييض الرمزي في عزلة عن سياق أوسع، إذ تتكرر الظاهرة ذاتها مع أسماء أخرى طالتها اتهامات مشابهة، كما هو حال الجلاد محمد سالم ولد السنوسي، المعروف بـ “سالازار”، وأحمد فيليبي وأبيشة لحول وإبراهيم كردلاس ومحمود بيد الله، المعروف بـ “كريكو” وأدة احميم ومحمد الامين البوهالي والبشير مصطفى السيد وغيرهم، من الذين شغلوا مواقع مسؤولية في الأمن العسكري داخل الجبهة قبل أفول نجمهم، وهو ما يوحي بأن إعادة إنتاج هذه الرموز ليست حادثة فردية، بل جزء من آلية متكررة لإدارة الذاكرة الجماعية داخل هذا الفضاء السياسي.

ضحايا بلا أسماء رسمية

برزت الى العلن إشكالية عميقة بمناسبة تسمية جامعة صيفية على إسم أحد أكثر جلادي البوليساريو سادية، تتمثل في عملية مواراة عمدية لضحايا البوليساريو كليا خلف واجهة “التكريم”، وكأن السردية المحتفى بها تبنى على فراغ متعمد لا يترك مكانا لسرد آخر.

فمن بين مئات الضحايا من الذين تعرضوا لإعدامات خارج نطاق القضاء او بإجراءات موجزة، أو أخضعوا للتعذيب والاختفاء القسري والمعاملات المسيئة والحاطة من الكرامة، تم رصد المئات الذين نكل بهم بطريقة عنيفة داخل الأسر، فضلا عن مدنيين مغاربة وموريتانيين انتزعوا من حياتهم خارج أي غطاء قانوني، وخضعوا لممارسات تراوحت بين سحب الدم قسرا، والتمثيل بالأجساد والزج بهم في أعمال سخرة استمرت حتى بعد سريان وقف إطلاق النار سنة 1991، بل امتدت لتشمل تشييد البنية التحتية للمخيمات نفسها التي تقام على أرضها اليوم مثل هذه المناسبات الاحتفالية.

وهنا يتبدى التناقض في أوضح صوره، والمتمثل أساسا في إقامة احتفال علني بذكرى رجل تتقاطع حوله شهادات ووثائق دولية تشير إلى ضلوعه في هذه الانتهاكات، مقابل صمت كامل يلف مصير من سقطوا ضحايا له، وذويهم الذين ما زالوا حتى اللحظة يبحثون عن جواب بشأن أقاربهم المفقودين، فليس هذا التناقض تفصيلا هامشيا يمكن تجاوزه، بل هو المفتاح لفهم ما يجري. فما يطرح تحت مسمى “تكريم” ليس إحياء لذكرى فرد بقدر ما هو، في جوهره محاولة ممنهجة لإعادة كتابة الذاكرة وطمس معالمها، تقصي الضحية من المشهد لتترك المساحة كاملة لصورة “البطل” وحدها، دون أن يسمع صوت مضاد أو يطرح سؤال عن الحقيقة الغائبة.

الوجه الآخر للقصة: كيف تروي البوليساريو سيرة “البلال”؟

من الضروري، مراعاة للتوازن والدقة، التوقف عند الرواية المضادة التي تتبناها جبهة البوليساريو ومنابرها الإعلامية، والتي تختلف جذريا عن الطرح السابق، ففي الخطاب الرسمي للجبهة، يحضر سيد أحمد البلال كأحد الوجوه المؤسسة الأولى، ممن دفعوا صمودهم وكفاحهم غاليا، إذ فقد بصره في المعارك، ليواصل رغم ذلك، وحتى وفاته تحمل مواقع قيادية وتنظيمية رفيعة داخل الجبهة، وبهذا المعنى، يتحول في مخيلة أنصار البوليساريو إلى تجسيد للصمود والتضحية، لا إلى رمز لانتهاك أو جريمة كما تصفه الرواية الأخرى.

وتجدر الإشارة أيضا، إلى أن الجبهة لم تصدر حتى الآن ردا رسميا مباشرا يتناول ما ورد بشأن هذا الاسم تحديدا في تقارير الأمم المتحدة أو في تقرير منظمة فرنسا للحريات، وهو صمت يمكن تفسيره على الأرجح، برؤيتها لهذه الاتهامات كحلقة ضمن حملة سياسية أشمل تقودها جهات مناصرة حقوق الإنسان بمساندة إعلامية قوية، في إطار الصراع الممتد حول الصحراء المغربية.

بيد أن الإنصاف في عرض الروايتين لا يعني تساويهما في الوزن أو القيمة الإثباتية، فالرواية الرسمية للجبهة تستند بالأساس إلى خطاب تعبوي موجه للداخل، في حين تتكئ الاتهامات الموجهة إليها على تقارير اليات أممية ومنظمات دولية وبعثات تحقيق دولية مستقلة، عملت ميدانيا واستمعت مباشرة إلى مئات الشهادات الموثقة، وهذا الفارق في طبيعة المصادر بين الخطاب التعبوي والتوثيق الميداني المستقل، هو ما يمنح الرواية الثانية ثقلا يصعب تجاوزه أو التغاضي عنه في أي تقييم موضوعي ومتزن للواقعة.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا