تدخلت وزارة الداخلية بشكل مباشر من أجل وضع حد لأزمة النقل الحضري التي عرفتها مجموعة من الجماعات الترابية بجهة الدار البيضاء–سطات، وذلك عبر تسوية جزء مهم من المديونية المرتبطة بشركة “ألزا البيضاء”، المفوض لها تدبير قطاع النقل الحضري بعدد من المناطق، في خطوة تروم ضمان استمرارية المرفق العمومي وتحسين ظروف تنقل المواطنين.
ويشمل هذا التدخل المجال الترابي لعمالة الدار البيضاء، وإقليم النواصر، وإقليم مديونة، وعمالة المحمدية، حيث ترتبط 17 جماعة بمؤسسة التعاون بين الجماعات “البيضاء”، التي تضطلع بمهام تدبير عدد من الاختصاصات المشتركة، وفي مقدمتها قطاع النقل الحضري.
وكشفت أشغال الدورة الاستثنائية لمؤسسة التعاون بين الجماعات “البيضاء”، المنعقدة صباح أمس الثلاثاء، حجم التدخل الذي قامت به وزارة الداخلية من أجل معالجة الوضعية المالية المرتبطة بقطاع النقل، بعدما أصبحت المديونية المتراكمة تشكل عائقا أمام ضمان استمرارية الخدمة وتحقيق التوازن المالي للمنظومة.
وأكد عدد من أعضاء المؤسسة، خلال مناقشة النقاط المدرجة في جدول الأعمال، أن تدخل وزارة الداخلية لم يقتصر على توفير الحلول المالية، بل شمل أيضا مفاوضات مباشرة مع الشركة المفوض لها تدبير القطاع، بهدف الوصول إلى صيغة مالية أكثر ملاءمة للجماعات والمؤسسة.
وأسفرت هذه المفاوضات، وفق المعطيات التي تم عرضها خلال الدورة، عن تخفيض قيمة الدين من حوالي 480 مليون درهم إلى ما يقارب 219 مليون درهم، وهو ما اعتبرته مصادر من داخل المؤسسة خطوة مهمة لتخفيف الضغط المالي الذي كان يثقل كاهل الجماعات المعنية.
وصادقت الدورة الاستثنائية بالإجماع على النقطة المتعلقة بإبرام عقد قرض مع البنك المغربي للتجارة والصناعة (BMCI)، وذلك في إطار تمويل العملية المرتبطة بتسوية الوضعية المالية واقتناء أسطول جديد من الحافلات.
ويأتي هذا التمويل في سياق خطة تروم تمكين مؤسسة التعاون بين الجماعات “البيضاء” من اقتناء أسطول يضم 350 حافلة من شركة “ألزا البيضاء”، بما يسمح بتعزيز العرض الحالي للنقل الحضري والاستجابة، ولو بشكل تدريجي، للطلب المتزايد على وسائل النقل العمومي.
ولا يتعلق الأمر فقط باقتناء الحافلات، إذ يستهدف التمويل كذلك تسوية المديونية البنكية القائمة على عاتق شركة “ألزا البيضاء”
، والتي تقدر، وفق المعطيات المقدمة خلال الدورة، بحوالي 284 مليون درهم، إضافة إلى تغطية الجزء المتبقي من ثمن اقتناء الأسطول، والمقدر بحوالي 160 مليون درهم.
وبحسب المعطيات التي تم تداولها خلال الدورة، فإن مبلغ القرض يمكن أن يصل إلى سقف أقصى قدره 444 مليون درهم، على أن يتم تسديده عبر ثمانية أقساط سنوية، في إطار ترتيبات مالية تلتزم بموجبها وزارة الداخلية بتحويل وأداء الأقساط المرتبطة بالقرض.
وتكشف هذه العملية عن حجم الرهان الذي أصبح يمثله النقل الحضري بالنسبة إلى العاصمة الاقتصادية ومحيطها، خصوصا أن توسع المجال العمراني للدار البيضاء أدى إلى اتساع رقعة التنقل اليومية بين مركز المدينة والأحياء والمناطق الصناعية والمراكز الحضرية المحيطة بها.
كما أن أزمة النقل لم تعد مرتبطة فقط بعدد الحافلات المتوفرة، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بجودة الأسطول، وانتظام الرحلات، وتغطية الخطوط، واحترام الترددات، فضلا عن قدرة منظومة النقل على مواكبة النمو الديمغرافي والعمراني المتسارع الذي تعرفه الدار البيضاء والنواصر ومديونة والمحمدية.
ومن شأن اقتناء 350 حافلة أن يشكل دفعة جديدة للعرض العمومي، غير أن نجاح العملية سيظل مرتبطا، في المقابل، بطريقة تدبير الأسطول الجديد، وبرمجة الخطوط، ومراقبة جودة الخدمة، وضمان الصيانة الدورية، حتى لا تتحول الحافلات الجديدة، مع مرور السنوات، إلى عبء مالي وتقني جديد على المؤسسة والجماعات.
ويضع هذا التدخل أيضا مؤسسة التعاون بين الجماعات “البيضاء” أمام تحدي إعادة ترتيب منظومة النقل على أسس مالية أكثر استدامة، خصوصا في ظل تعدد الجماعات المعنية واختلاف قدراتها المالية وحجم مساهماتها في تمويل المرفق العمومي.
وسجل متابعون أن معالجة المديونية تمثل فقط الخطوة الأولى، بينما يبقى التحدي الأكبر هو بناء نموذج اقتصادي قادر على ضمان استمرارية النقل الحضري دون تكرار الأزمات المالية التي أدت إلى تراكم الديون وهددت في مراحل سابقة انتظام الخدمة.
وتبرز العملية، في المقابل، أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه وزارة الداخلية في مواكبة الجماعات الترابية عندما يتعلق الأمر بمرافق استهژ دمراتيجية ذات أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصا أن النقل الحضري أصبح من الملفات الأكثر ارتباطا بالعدالة المجالية وبجودة العيش داخل المجال الحضري.
وبين تخفيض حجم المديونية وتأمين التمويل واقتناء أسطول جديد، تراهن السلطات والمؤسسة المعنية على طي صفحة من الاختلالات التي طبعت قطاع النقل خلال الفترة الماضية، وفتح مرحلة جديدة يكون عنوانها الأساسي تحسين الخدمة وربط مختلف مناطق الدار البيضاء الكبرى بشبكة نقل أكثر انتظاما وفعالية.
ويبقى الرهان الحقيقي بعد هذه التسوية المالية هو أن يشعر المواطن بالنتيجة على أرض الواقع: حافلات أكثر، خدمات أفضل، رحلات أكثر انتظاما، وخطوط قادرة على مواكبة حاجيات ملايين المواطنين الذين يعتمدون يوميا على النقل العمومي للوصول إلى مقرات العمل والدراسة والخدمات.
المصدر:
العمق