دخل، اليوم الثلاثاء 11 غشت 2026، حيز التنفيذ في فرنسا نظام جديد من شأنه أن يغير قواعد التسويق الهاتفي رأسا على عقب، إذ أصبح الاتصال بالمستهلك لأغراض تجارية ممنوعا من حيث المبدأ ما لم يكن قد منح موافقته الصريحة والمسبقة، في تحول ينتظر أن تكون له تداعيات مباشرة على جزء مهم من نشاط مراكز النداء المغربية المرتبطة بالسوق الفرنسية.
وينص قانون الاستهلاك الفرنسي، في صيغته السارية ابتداء من 11 غشت، على منع الاتصال هاتفيا بالمستهلك، سواء مباشرة أو بواسطة طرف ثالث يعمل لحساب الشركة، إذا لم يكن المستهلك قد أعرب مسبقا عن موافقته على تلقي عروض تجارية بهذه الوسيلة.
وبذلك تنتقل فرنسا عمليا من نموذج كان يسمح بالاتصال التجاري ما لم يعترض المستهلك، خصوصا عبر منظومة “Bloctel”، إلى نظام يقوم على مبدأ “الموافقة أولا” (Opt-in)؛ أي إن مجرد توفر الشركة على رقم هاتف الشخص لم يعد كافيا للاتصال به لأغراض التسويق.
وحدد المرسوم التطبيقي رقم 2026-662، الصادر في 23 يوليوز، شروطا دقيقة للموافقة، إذ يتعين أن تكون واضحة ومحددة ومستنيرة وقابلة للسحب، وأن تصدر عن فعل إيجابي صريح من المستهلك، وليس عن خانة محددة مسبقا أو مجرد استمرار الشخص في تصفح موقع إلكتروني.
ولا يمكن أن تتجاوز صلاحية الموافقة سنة واحدة من تاريخ الحصول عليها، كما يمنع تجديدها تلقائيا. ويتعين على الشركة الاحتفاظ إلكترونيا بإثبات الموافقة وتاريخها وساعتها لمدة ثلاث سنوات، مع تمكين المستهلك من سحب موافقته في أي وقت وبطريقة لا تكون أكثر تعقيدا من الطريقة التي مُنحت بها.
ويذهب التشريع إلى أبعد من تنظيم المكالمات، إذ ينص على أن أي عقد يتم إبرامه مع مستهلك عقب اتصال هاتفي تم في خرق لشروط الموافقة الجديدة يكون باطلا. كما يحمل المهني المستفيد من الاتصال مسؤولية احترام القواعد حتى عندما تنفذ المكالمات شركة أخرى أو مركز اتصال يعمل لحسابه.
غير أن المنع ليس شاملا لكل نشاط مراكز النداء، إذ يسمح القانون باستمرار الاتصالات المرتبطة بتنفيذ عقد قائم عندما يكون موضوع المكالمة مرتبطا بذلك العقد أو بخدمات ومنتجات مكملة له. كما توجد استثناءات محددة، من بينها التسويق المتعلق بالصحف والدوريات والمجلات وفق شروط تنظيمية خاصة.
ويكتسي دخول النظام الفرنسي حيز التنفيذ أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى الارتباط الكبير بين قطاع مراكز النداء المحلي والسوق الفرنسية، حبث سبق لوزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، يونس السكوري، أن حذر في جواب كتابي على سؤال برلماني خلال مارس الماضي من أن التشريع الفرنسي يمكن أن يضع ما بين 40 ألفا و50 ألف منصب شغل بالمغرب أمام خطر الاختفاء، خاصة لدى المقاولات الصغيرة والمتوسطة الأكثر اعتمادا على التسويق الهاتفي.
ووفق المعطيات التي قدمها الوزير، يمثل السوق الفرنسي أكثر من 80 في المائة من رقم معاملات مراكز علاقات الزبناء العاملة بنظام الأوفشورينغ، ما يجعل أي تعديل جذري في القواعد الفرنسية ذا تأثير مباشر على جزء واسع من النشاط الموجود بالمغرب.
وتفيد المعطيات التي أوردتها وزارة التشغيل في الجواب ذاته بأن القطاع يوفر نحو 120 ألف منصب شغل مباشر وحوالي 50 ألف وظيفة غير مباشرة مرتبطة بأنشطة أخرى، بينما تتراوح مساهمته الاقتصادية بين 10 و12 مليار درهم، ما يفسر حجم القلق من التداعيات الاجتماعية المحتملة للقانون الفرنسي.
ولا يتوزع الخطر بالتساوي بين مختلف الشركات. فالمراكز التي تعتمد بصورة أساسية على الاتصالات الصادرة بهدف بيع المنتجات والخدمات للمستهلكين الفرنسيين ستكون الأكثر تعرضا، بينما يظل النشاط المرتبط باستقبال المكالمات وخدمة الزبناء والمساعدة التقنية والعقود القائمة أقل تأثرا مباشرة بالقواعد الجديدة. ويشير فاعلون في القطاع إلى أن المجموعات الكبرى شرعت منذ سنوات في تنويع خدماتها، خلافا لمراكز صغيرة لا يزال نموذجها الاقتصادي مرتبطا بدرجة كبيرة بالتسويق الهاتفي نحو فرنسا.
وكان السكوري قد تحدث عن تحرك حكومي لمواكبة التحول، عبر البحث عن أسواق جديدة في أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب توجيه مراكز النداء نحو خدمات ذات قيمة مضافة أعلى والاستفادة من الرقمنة والذكاء الاصطناعي لتطوير نموذج أعمال القطاع.
ويجعل دخول القانون حيز التنفيذ، ابتداء من اليوم، هذه التحذيرات تنتقل من مرحلة التوقع إلى الاختبار الفعلي، إذ سيتعين على الشركات المغربية التي تنفذ حملات تسويق لصالح شركات فرنسية التأكد مسبقا من وجود موافقة قانونية قابلة للإثبات لكل مستهلك يتم الاتصال به.
ومن شأن القانون الجديد أن يمثل ضربة مباشرة قطاع مراكز النداء في المغرب، القائم على الاتصال المكثف بالمستهلكين الفرنسيين لاقتراح خدمات أو منتجات جديدة، ويدفع القطاع نحو تسريع التحول إلى خدمة الزبناء والاتصالات الواردة والدعم التقني والخدمات الرقمية والأنشطة ذات القيمة المضافة الأعلى.
المصدر:
العمق