لم تتحول مشاهد العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة، على قسوتها وانتشارها الواسع في وسائل الإعلام الدولية، إلى صدمة فورية للسياحة المغربية، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى استمرار الرحلات الجوية والبحرية نحو المملكة، وعدم صدور تحذيرات دولية شاملة من السفر إلى المغرب، مقابل تسجيل اضطرابات محلية مست عددا من الأنشطة السياحية والخدماتية في مدن الشمال.
ويظهر فحص بيانات الرحلات، وتحذيرات السفر الصادرة عن عدد من الأسواق السياحية الرئيسية، إلى جانب شهادات مهنيين وتقارير محلية، أن التداعيات الاقتصادية للأزمة ظلت، حتى الآن، محصورة جغرافيا في محيط الفنيدق والمضيق ومرتيل وتطوان، ولم تنتقل إلى وجهات مثل مراكش وأكادير والدار البيضاء وفاس والصويرة.
وتزامنت الأحداث مع ذروة الموسم الصيفي، بعدما تدفقت عشرات الآلاف من الأشخاص نحو الحدود يومي 30 و31 يوليوز، وهو ما تسبب في إغلاق مؤقت للمعبر، واختناق حركة السير بالفنيدق، وانتشار أمني مكثف وإغلاق عدد من المحلات، قبل أن تبدأ الأوضاع في العودة التدريجية إلى طبيعتها عقب رجوع أغلب الذين دخلوا سبتة إلى الأراضي المغربية. وأكدت السلطات الإسبانية أن أزيد من 48 ألف شخص عادوا خلال 48 ساعة، بينما تراجعت محاولات العبور إلى مستويات شبه منعدمة ليلة فاتح غشت.
وعلى مستوى النقل الجوي، لم تسجل اضطرابات مرتبطة مباشرة بأحداث سبتة، حيث أفادت صحيفة “إندبندنت” البريطانية ، استنادا إلى بيانات تتبع الرحلات، بأن الرحلات من وإلى مطارات الرباط والدار البيضاء ومراكش استمرت في العمل إلى حد كبير وفق برامجها المعتادة، دون إلغاء جماعي أو تغيير في مسارات الطيران بسبب الأزمة. كما لم يؤثر ما وقع في المجال الجوي المغربي أو في عمل المطارات الرئيسية.
واستمرت كذلك الخطوط البحرية الرئيسية الرابطة بين الموانئ الإسبانية والمغرب في عرض رحلاتها، إذ ما تزال شركة “بالاريا” تعرض ما يصل إلى 12 رحلة يومية بين الجزيرة الخضراء وطنجة المتوسط، وعددا مماثلا بين طريفة وميناء طنجة المدينة، ما يعني أن الاضطراب انحصر أساسا في المعبر البري لسبتة وبعض الرحلات المرتبطة بالمدينة المحتلة، دون أن يشمل الممرات الرئيسية التي يعتمد عليها السياح وأفراد الجالية لدخول المغرب.
ومن أبرز المؤشرات التي تقلل، حتى الآن، من فرضية وقوع ضرر وطني واسع، عدم تغيير أغلب الدول الأوروبية لتحذيرات السفر الخاصة بالمغرب. فوزارة الخارجية البريطانية أبقت صفحة السفر إلى المغرب سارية في 3 غشت دون إضافة تحذير مرتبط بأحداث سبتة، فيما لم تضف الخارجية الفرنسية في صفحة التنبيهات الخاصة بالمغرب أي تحذير جديد بسبب الأزمة. كما ظلت التوصيات السويسرية تعتبر السفر إلى المغرب آمنا من حيث المبدأ.
وفي المقابل، رفعت الولايات المتحدة مستوى التحذير المتعلق بمدينة سبتة وحدها إلى المستوى الثالث، ودعت مواطنيها إلى إعادة النظر في السفر إليها بسبب الوضع الأمني، دون أن يشمل القرار المغرب أو المدن السياحية المغربية. ويظهر التحذير الأمريكي بوضوح أن المنطقة المعنية هي سبتة باعتبارها مدينة خاضعة للإدارة الإسبانية، وليس الوجهة المغربية ككل.
لكن غياب الضرر الوطني لا يعني أن القطاع لم يتأثر إطلاقا، حيث ظهرت التداعيات الأكثر وضوحا داخل المطاعم والمقاهي والمخابز والمحلات التجارية بمدن طنجة وتطوان والمضيق والفنيدق ومرتيل، بعدما غادر عدد من العمال أماكن عملهم بشكل مفاجئ للمشاركة في محاولات العبور.
ونقلت تقارير محلية عن صاحب مطعم بمدينة طنجة أن أربعة من عماله غادروا المؤسسة دون إشعار في اتجاه سبتة، ما اضطره إلى إغلاق المطعم مؤقتا. كما سجلت مؤسسات أخرى نقصا في العاملين في مجالات الطبخ والخدمة والاستقبال، في فترة تعرف عادة ضغطا كبيرا بسبب الإقبال الصيفي، غير أن عددا من العمال عادوا لاحقا إلى مقرات عملهم، ما سمح باستئناف النشاط تدريجيا.
ويصعب تحميل أحداث سبتة وحدها مسؤولية أي تراجع في نشاط بعض مناطق الساحل الشمالي، لأن الموسم كان يعرف قبل الأزمة تفاوتا واضحا بين امتلاء الفنادق خلال عطلة نهاية الأسبوع وتراجع الحركة في بقية الأيام، حيث كانت تقارير مهنية قد ربطت هذا الوضع بارتفاع أسعار الفنادق والإقامات، إذ وصلت أسعار بعض الغرف إلى مستويات تتراوح بين 2400 و5000 درهم لليلة، ما دفع أسرا مغربية إلى تغيير وجهتها نحو إسبانيا، قبل اندلاع أحداث سبتة.
وجاءت الأزمة في وقت كان فيه القطاع السياحي المغربي يسجل مؤشرات قوية، بعدما استقبلت المملكة نحو 9,4 ملايين وافد خلال النصف الأول من 2026، بزيادة سنوية قدرها 6 في المائة، بينما ارتفعت مداخيل السفر إلى 64,89 مليار درهم، مقابل نحو 56 مليار درهم خلال الفترة نفسها من 2025، أي بنمو بلغ 15,9 في المائة، وفق مكتب الصرف.
غير أن هذه الأرقام تتوقف عند نهاية يونيو، أي قبل أحداث سبتة بشهر، ولذلك لا يمكن استعمالها لقياس أثر الأزمة نفسها. كما أن أحدث نشرة منشورة لدى المرصد الوطني للسياحة تتعلق بوصولات يونيو، ما يعني أن الحكم الرقمي الدقيق على الحجوزات والمبيتات خلال الأزمة لن يكون ممكنا قبل صدور بيانات يوليوز وغشت.
وبناء على المؤشرات الحالية، فإن أحداث سبتة أحدثت ضررا محليا ومؤقتا في الخدمات السياحية والتجارية بمدن الشمال، لكنها لم تتحول إلى أزمة للسياحة المغربية على المستوى الوطني، فيما يظل “الخطر الأكبر” مرتبطا بصورة الوجهة في الخارج، خاصة بعد انتشار تقارير دولية تسأل عما إذا كان السفر إلى المغرب ما يزال آمنا.
المصدر:
العمق