في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أكد عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة أن أزمة الهجرة غير النظامية الأخيرة، التي شهدت تدفق آلاف الشباب من جنسيات مختلفة نحو السواحل الإسبانية، ارتبطت في جانب منها بسوء تأويل قرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، استغلته شبكات الاتجار بالبشر ومنظمو الهجرة غير النظامية لاستقطاب الشباب وإيهامهم بإمكانية الوصول إلى الضفة الأخرى دون التعرض للإرجاع.
وأوضح الغالي في تصريح لجريدة “العمق المغربي” أن المحكمة العليا الإسبانية لم تصدر قرارا يمنع إعادة المهاجرين غير النظاميين، كما روجت لذلك بعض الجهات، وإنما أكدت ضرورة احترام الضمانات القانونية والقضائية للمهاجرين الذين يتم توقيفهم في البحر، بما ينسجم مع المبادئ الحقوقية المتعلقة بحماية الكرامة الإنسانية وصون الحقوق الأساسية.
وأضاف أستاذ العلوم السامية بجامعة القاضي عياض، أن مضمون القرار ينص على أن عناصر حراسة الحدود لا يحق لها إعادة المهاجرين بشكل فوري أو تلقائي، وإنما يتعين إخضاع كل حالة للمساطر القانونية التي يحددها القانون الإسباني، حتى يستفيد الشخص الموقوف من حقه في الأمن القانوني والأمن القضائي، مع ضمان عدم وقوع أي تعسف أو شطط في استعمال السلطة من قبل الأجهزة المكلفة بمراقبة الحدود.
وشدد العميد على أن الخطأ لم يكن في القرار القضائي ذاته، بل في التأويل الذي قدمته شبكات الهجرة السرية، والتي أوحت للراغبين في الهجرة بأن السلطات الإسبانية لن تعيدهم إلى بلدانهم، وهو ما شجع أعدادا كبيرة من الشباب على خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر.
وفي تقييمه للأحداث، اعتبر المتحدث أن ما وقع يمثل “تمرينا واختبارا من نوع خاص” بالنسبة للسلطات المغربية والإسبانية، بالنظر إلى الحجم الكبير للتدفقات البشرية التي حدثت بشكل مفاجئ، موضحا أن عدد المهاجرين كان يفوق بأضعاف عدد عناصر حراسة الحدود في الجانبين، الأمر الذي جعل التعامل مع الوضع يقترب من مفهوم “القوة القاهرة”، بالنظر إلى الطابع الاستثنائي والمباغت للأحداث.
كما أبرز أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في تسريع انتشار الدعوات إلى الهجرة، عبر تداول إشاعات ومعلومات مضللة شجعت آلاف الشباب، بمن فيهم قاصرون وقاصرات، على محاولة العبور، وهو ما أدى إلى سقوط عدد من الضحايا والمفقودين، في مأساة إنسانية تستدعي، بحسب تعبيره، تعزيز الجهود التوعوية والوقائية.
وفي السياق ذاته، أكد أن البلاغات الرسمية الصادرة عن وزارتي الداخلية المغربية والإسبانية لم تتحدث عن أي خلاف أو توتر بين البلدين، بل عكست استمرار التنسيق الأمني والمؤسساتي بين الرباط ومدريد في تدبير هذه الأزمة، مشيراً إلى أن الجانبين اتفقا على إعادة المهاجرين غير النظاميين، بمن فيهم الأشخاص المنحدرون من جنسيات متعددة، مع احترام الإجراءات القانونية والحقوق التي تكفلها التشريعات المعمول بها.
وأضاف أن بعض القراءات التي ربطت الحادث بوجود فتور أو توتر في العلاقات المغربية الإسبانية لا تستند إلى معطيات واقعية، مؤكداً أن العلاقات الثنائية أصبحت ذات طابع استراتيجي، وأن البلدين راكما تجربة طويلة في التنسيق الأمني والتعاون المشترك في عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وأوضح أن التعاون بين المغرب وإسبانيا لا يقتصر على تدبير الهجرة غير النظامية، بل يشمل كذلك مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، والاتجار الدولي في المخدرات، والتصدي للإرهاب والجريمة المنظمة، إضافة إلى تعزيز أمن الحدود وتبادل المعلومات الأمنية، وهو ما يجعل من الحادث الأخير اختباراً جديداً لمدى نجاعة آليات التنسيق القائمة بين البلدين.
وفي معرض حديثه عن الأسباب الاجتماعية للهجرة، اعتبر عميد الكلية أن عددا من الشباب ما يزال ينساق وراء صور نمطية مغلوطة حول جودة الحياة وفرص العمل في الضفة الشمالية للمتوسط، في وقت يشهد فيه المغرب مسارا تنمويا يوفر فرصا متزايدة في عدد من القطاعات الاقتصادية.
وحذر من أن الشباب الذين يغادرون البلاد دون تكوين مهني أو حرفة أو مؤهلات تمكنهم من الاندماج في سوق الشغل يكونون الأكثر عرضة للاستغلال من قبل شبكات الدعارة، أو عصابات الاتجار بالمخدرات، أو شبكات الاتجار بالبشر، فضلا عن تعرضهم للاستغلال الاقتصادي من قبل بعض المشغلين الذين يعتمدون على اليد العاملة الرخيصة في قطاعات موسمية.
وأشار في هذا الإطار إلى أن عدداً من المغاربة يشتغلون بشكل موسمي في القطاع الفلاحي بإسبانيا، خاصة في جني الفراولة، إلا أن الفوارق في الأجور مقارنة بالمغرب لم تعد كبيرة كما يعتقد البعض، موضحا أن العاملات الموسميات كن يتقاضين في بعض الحالات ما يقارب 300 درهم يوميا، في حين تتراوح أجور العمال في عدد من الأنشطة الفلاحية داخل المغرب بين 400 و600 درهم يوميا، وقد تصل خلال بعض المواسم، مثل جني الزيتون، إلى نحو 800 درهم في اليوم، بحسب العرض والطلب وطبيعة الأشغال.
واعتبر أن هذه المعطيات تكشف أن كثيراً من التصورات المتداولة حول فرص العمل بالخارج لم تعد تعكس الواقع الحالي، وهو ما يفرض، بحسب قوله، تصحيح الصور النمطية وتقديم معطيات دقيقة للشباب حول واقع سوق الشغل داخل المغرب وخارجه.
وخلص عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة إلى أن التصدي لظاهرة الهجرة غير النظامية مسؤولية جماعية، تستوجب تعبئة مختلف الفاعلين، من مؤسسات الدولة، والأحزاب السياسية، وهيئات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، إلى جانب الأسر والعائلات، من أجل نشر الوعي بمخاطر الهجرة غير القانونية، والتصدي للإشاعات التي تروجها شبكات الاتجار بالبشر، وتشجيع الشباب على الاستفادة من الفرص التي يتيحها مسار التنمية داخل المملكة.
المصدر:
العمق