كود الرباط//
كشفت وثائق طلب العروض الدولي المفتوح رقم 09/DAAF/FNAC/2026، الخاص بتنظيم مهرجان “رباط أفريكا” (Rab’Africa 2026)، عن خبايا وكواليس الصفقات الضخمة التي تبرمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، برئاسة الوزير المهدي بنسعيد.
تحليل دقيق لدفتر الشروط الخاصة (CPS) وتقديرات مهندسين ومتخصصين في اللوجستيات الفنية بالمغرب، هضرو مع “كود”، فكك خيوط استراتيجية مزدوجة ترتكز على تضخيم الميزانيات التقديرية وتفصيل البنود التقنية على مقاس شركة بعينها، ممثلة في شركة “JetSet” التي يملكها رجل الأعمال زياد الخالدي.
فجوة الميزانية.. منصة ضفة أبي رقراق وتضخيم الأرقام
تُبين المعطيات الميدانية والتقنية المتعلقة بالمنصة الفنية المزمع إقامتها بضفة نهر أبي رقراق بالرباط أنها تنتمي إلى فئة المنصات متوسطة إلى صغيرة الحجم، بالنظر إلى طبيعة الموقع الجغرافي والقدرة الاستيعابية للرقعة المخصصة للعروض.
وبحسب معطيات تقنية لخبير في مجال إخراج المهرجانات، تحدث مع “كود”، فإن القيمة الواقعية لكافة التجهيزات اللوجستية المطلوبة — والتي تشمل أنظمة الصوت والإضاءة والشاشات والهياكل المعدنية وعمليات التركيب والصيانة طيلة 10 أيام من العروض الفنية (من 14 إلى 23 غشت 2026) — لا تتجاوز في أقصى تقديراتها 6 ملايين درهم مغربي (600 مليون سنتيم)، وهي تكلفة تتضمن هامش ربح مريح للمقاولة المنفذة، لكن الوزارة قامت بتحديد مبلغ 13 مليون درهم للصفقة.
لكن النقطة المثيرة للاهتمام تتجلى في تحديد الوزارة لغلاف مالي مبالغ فيه بشكل صارخ، يعكسه إقرار ضمان مؤقت بقيمة 250,000.00 درهم. هذا الارتفاع في الميزانية التقديرية لا يقف عند حدود شبهة الإسراف في صرف المال العام، بل يُستغل قانونياً وإدارياً لرفع سقف الضمانات البنكية التعجيزية، مما يؤدي تلقائياً إلى خنق المنافسة وإبعاد الشركات الوطنية الصغرى والمتوسطة عن دائرة التنافس.
الهندسة التقنية الملونة.. شرط “المفرقعات” المعتمد حصرياً
يتجاوز التوجيه المسبق للصفقة جانب الميزانيات ليطال التفاصيل التقنية الدقيقة داخل دفتر الشروط الخاصة (CPS). فقد شهدت صياغة الشروط إقحام شرط تقني وبشري غريب ومفصل بدقة متناهية لتناسب الملف الفني لشركة “JetSet”.
البند يتصل باشتراط ملف شخصي محدد ضمن الطاقم البشري الملتزم به، وفق معايير محددة منها التوفر على تقني المؤثرات الخاصة (Technicien effets spéciaux) بمستوى دراسي دبلوم (Bac+2) كحد أدنى، والتوفر على شهادة تكوين متخصص في المفرقعات أو المؤثرات المسرحية (Formation spécialisée en pyrotechnie ou effets scéniques ou équivalent)، بمهام تركيب وتجهيز معدات المفرقعات والمؤثرات البصرية، وشرط خبرة لا تقل عن 3 سنوات في هذا المجال التخصصي.
وتثير هذه الصياغة علامات استفهام كبرى، خصوصا وأن المنظومة التعليمية والأكاديمية المغربية لا تمنح أساساً أي دبلوم تحت مسمى “تكوين في المفرقعات والمؤثرات المسرحية”. وبما أن هذا التخصص الأكاديمي غير متوفر محلياً، فإن هذا الشرط يُفصّل حكراً لشركة “JetSet” التي تعتمد على تقنيين وكفاءات أجنبية متعاقد معها بشكل دائم، مما يحرم باقي المقاولات المغربية المنافسة من استيفاء الشروط الإدارية والتقنية وتجاوز مرحلة التأهيل.
صفقة احتكارية بامتياز
وتندرج هذه الصفقات ضمن مسار متكامل يرسخ هيمنة شركة “JetSet” لصاحبها زياد الخالدي على صفقات القطاع الفني التي تطرحها وزارة الثقافة.
بل اكثر من ذلك، حتى أن باقي الشركات المنافسة التي شاركت في المناقصة، فهي تابعة لزياد الخالدي، باستثناء شركة واحدة.
ويكتمل هذا المشهد بعامل الحيز الزمني الضيق؛ حيث إن حد فتح الأظرفة في 31 يوليوز 2026 وإلزام المقاولة المنفذة بالبدء في التركيب خلال الأسبوع الأول من غشت، يجعل من المستحيل على أي منافس جديد إعداد اللوجستيك وتوفير التقنيين الأجانب المؤهلين في ظرف زمني لا يتجاوز أياماً معدودة. هذا الوضع يخدم المقاولة التي تملك علماً مسبقاً بالتفاصيل والجاهزية اللوجستية للانطلاق في الأشغال قبل الحسم الرسمي في طلب العروض.
وتضع المعطيات الخاصة بطلب العروض رقم 09/DAAF/FNAC/2026 آليات تدبير الصفقات العمومية بوزارة الشباب والثقافة والتواصل أمام مسؤولياتها القانونية والأخلاقية. إن الجمع بين تضخيم الميزانيات عن التكلفة الحقيقية (المحددة بـ 6 ملايين درهم) وإقحام بنود تعجيزية كدبلوم المفرقعات والمؤثرات المسرحية، يستدعي فتح تحقيق عاجل من طرف مؤسسات الحكامة ومجلس المنافسة للوقوف على مدى احترام مبادئ تكافؤ الفرص والشفافية في توزيع المال العام.
تأتي هذه المعطيات لتزكي الشكوك القائمة حول احتكار الصفقات الكبرى لوزارة الثقافة بين يدي شركتين محظوظتين هما “JetSet” و”avant scène”.
أمام هذه المعطيات والأرقام المسجلة في طلب العروض 09/DAAF/FNAC/2026، يظل السؤال مطروحاً على وزير الشباب والثقافة والتواصل المهدي بنسعيد ومؤسسات الحكامة والمراقبة المالية بالمملكة: إلى متى تظل صفقات المهرجانات الفنية تدار بهذه الطريقة التي قد تضيع على الدولة ملايين الدراهم وتجهز على مبادئ الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص؟.
المصدر:
كود