الكاتب : محمد ادبورحيم- باحث في الإعلام
وأنا أرتشف قهوتي الصباحية وأتابع الشظايا الإعلامية لواقعة سبتة المحتلة، أثار انتباهي ذلك السجال المحموم في الصحافة الإسبانية، والذي قذفت أصداؤه إلى منصات التواصل الاجتماعي هنا في المغرب.
كان المحور الثابت في كل التحليلات هو “الحضور الاستخباراتي المغربي” وطغيان ظله على مجريات الأحداث.
هذا التعاطي الأوروبي والإسباني تحديداً يعيد إلى الواجهة نقاشاً أعمق حول ما يمكن تسميته “الهوس الأوروبي بالخلفية الاستخباراتية للمغرب”.
فبالرجوع إلى أرشيف التقارير الإعلامية والدراسات الاستراتيجية (الفرنسية والإسبانية على وجه الخصوص)، نجد أن مصطلح “عقدة المخابرات المغربية” أصبح مادة دسمة للتحليل
وأصبح الجميع يطرح سؤالا مركزيا وهو:
كيف تحولت الأجهزة الأمنية المغربية إلى “رقم صعب” يثير إعجاب العواصم الأوروبية وتوجسها في آن واحد؟.
لم تعد العلاقات بين ضفتي المتوسط محكومة فقط بالدبلوماسية الكلاسيكية أو التبادلات التجارية، بل أصبحت المعلومة الاستخباراتية هي العملة الأكثر قيمة وأثراً.
وفي هذا الفضاء المعقد، نجحت الأجهزة الأمنية المغربية — سواء المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) أو المديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) — في فرض نفسها كشريك لا يمكن تجاوزه، بل وتحولت في نظر بعض الدوائر الأوروبية إلى “عقدة” تؤرق مضاجعهم بسبب دقتها وتغلغلها.
ويمكن هنا استحضار عدة نقاط تؤكد ذلك ومنها:
أولاً: تفكيك الخلايا وتجنيب أوروبا حمامات دم (فرنسا وبلجيكا نموذجاً)
تتجلى قوة المخابرات المغربية في قدرتها الاستباقية على اختراق الشبكات الجهادية العابرة للحدود، وهو ما اعترفت به عواصم أوروبية علناً بعد أن جنّبها المغرب كوارث حقيقية:
– أحداث باريس 2015 (باتاكلان): بينما كانت فرنسا تعيش صدمة هجمات نوفمبر وتائهة في تحديد مكان العقل المدبر “عبد الحميد أبا عود”، كانت المعلومة المغربية الدقيقة هي التي قادت القوات الخاصة الفرنسية إلى مخبئه في حي “سان دوني”. عقب العملية، توجه الرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا هولاند بالشكر الرسمي للملك محمد السادس في الإليزيه.
– تفجيرات بروكسل 2016: قدمت الرباط معلومات بالغة الأهمية للأمن البلجيكي حول شبكات الدعم واللوجستيك وخلايا “صلاح عبد السلام”، مما ساهم مباشرة في تطويق الأزمة.
– مخطط كنيسة “بيدير سار لو غاريل” (2021): أنقذت المخابرات المغربية فرنسا من هجوم انتحاري وشيك يستهدف كنيسة، بعد تزويد المديرية العامة للأمن الداخلي الفرنسي (DGSI) بمعلومات دقيقة حول شابة فرنسية من أصل مغربي كانت في المراحل الأخيرة لتنفيذ العملية.
ثانياً: إسبانيا.. من التوجس التاريخي إلى التنسيق الاضطراري
تعتبر إسبانيا النموذج الأبرز لهذه “العقدة”. فبرغم التوترات السياسية الدورية بين البلدين — كأزمة استقبال زعيم البوليساريو عام 2021 — تدرك مدريد أن أمنها القومي مرتبط عضوياً بالرباط.
تجمع التقارير الإسبانية على أن أغلب العمليات المشتركة لتفكيك الخلايا الإرهابية في مليلية، سبتة، وإقليم كتالونيا تنطلق أساساً من إشعارات ومعلومات مغربية.
كما تدرك الأجهزة الإسبانية أن ضبط تدفقات الهجرة أو حماية الحدود يعتمد على التنسيق الميداني الاستخباراتي مع المغرب، مما يجعل مدريد تحسب ألف حساب قبل اتخاذ أي موقف سياسي يمس المصالح المغربية.
ثالثاً: من ألمانيا إلى سريلانكا.. امتداد الاختراق وراء البحار
لم يقتصر التفوق الاستخباراتي المغربي على الجوار الإقليمي، بل امتد دولياً:
ألمانيا: بعد فترة من الجفاء السياسي، عادت برلين لتطلب ود الرباط أمنياً. وكانت المخابرات المغربية قد حذرت السلطات الألمانية سابقاً من التونسي “أنيس عامري” قبل تنفيذه هجوم الشاحنة الشهير في برلين عام 2016.
تفجيرات سريلانكا (عيد الفصح 2019): في واقعة أذهلت الأجهزة العالمية، كان المغرب من الدول القليلة جداً التي حذرت السلطات السريلانكية والهندية ووفرت بيانات دقيقة عن المتطرفين وتوجهاتهم قبل وقوع التفجيرات الدامية بنحو 48 ساعة.
رابعاً: لماذا تتخوف أوروبا من المخابرات المغربية؟
تتداخل مشاعر الإعجاب بالتخوف لدى الأوروبيين لعدة أسباب بنيوية:
الاستثمار في العنصر البشري : في الوقت الذي تعتمد فيه أوروبا بشكل شبه كلي على التكنولوجيا والأقمار الصناعية، يتميز المغرب بتفوقه في الاستخبار البشري، أي القدرة على زرع المصادر واختراق الحلقات الضيقة للجريمة المنظمة والشبكات المتطرفة.
السيادة المخابراتية: تدرك أوروبا أن المغرب لا يقدم خدماته مجاناً أو كمجرد طرف تابع، بل يوظف تفوقه الأمني كأداة نفوذ سياسي ودبلوماسي لانتزاع الاعتراف بمغربية الصحراء وتثبيت مصالحه العليا، وهو ما يزعج العواصم التي تعودت التعامل بمنظور تقليدي.
فوبيا الحرب السيبرانية: تحولت الاتهامات الأوروبية للمغرب (مثل قضية بيغاسوس التي نفتها الرباط جملة وتفصيلاً وطالبت بأدلة ملموسة) إلى انعكاس حقيقي لهذه “العقدة”.
فالغرب بات يرى في الأجهزة المغربية قوة قادرة على اختراق هواتف كبار المسؤولين الأوروبيين، مما يعكس هاجساً من تنامي القدرات التكنولوجية للرباط.
لقد انتقل المغرب من دور “المستهلك” للمعلومة الأمنية أو “الدركي” لحماية حدود أوروبا، إلى دور “المنتج السيادي للأمن”.
هذه القوة والاستقلالية هي ما جعلت العواصم الأوروبية تعيش انفصاماً حقيقياً: فهي لا تستطيع الاستغناء عن العيون المغربية لحماية مواطنيها، وفي الوقت نفسه تتخوف من تنامي نفوذ هذه الأجهزة وتحولها إلى كابوس يجرّد أوروبا من أوراق ضغطها التقليدية.
المصدر:
هبة بريس