آخر الأخبار

بين “الابتزاز المغربي” والمأساة الإنسانية.. هكذا قرأت الصحافة الإسبانية أزمة سبتة

شارك

وضعت وسائل الإعلام الإسبانية أزمة الهجرة غير المسبوقة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة في صدارة تغطياتها، وسط اختلاف واضح في توصيف ما جرى وتحديد المسؤوليات، بين من اعتبر تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص “ضغطا سياسيا مغربيا” و”هجوما على السيادة الإسبانية”، ومن ركز على عجز حكومة بيدرو سانشيز، فيما اختارت وسائل أخرى إبراز المأساة الإنسانية والتحذير من توظيفها لنشر خطاب معاد للمهاجرين.

وتشير التقديرات الأولية التي تداولتها الصحافة الإسبانية إلى دخول نحو 49 ألف شخص من المغرب إلى سبتة خلال فترة وجيزة، وهو رقم يوازي أكثر من نصف عدد سكان المدينة البالغ نحو 83 ألف نسمة، غير أن مصادر حكومية أكدت لوكالة “إيفي” أن هذه الحصيلة ما تزال مؤقتة، ولم تتحول بعد إلى رقم رسمي نهائي.

وبالتوازي مع تضارب أرقام الوافدين، شهدت حصيلة الضحايا تحديثات متلاحقة، إذ تحدثت وسائل إعلام في البداية عن تسعة قتلى، قبل ارتفاع العدد إلى 18 ثم 24، بينما رفعت صحيفة “إل باييس” الحصيلة في آخر تحديثاتها إلى 27 وفاة، معظمها بسبب الغرق أثناء محاولة تجاوز الحاجز البحري في تاراخال.

الصحافة المحلية تتهم المغرب

كانت وسائل الإعلام المحلية في سبتة المحتلة الأكثر حدة في تحميل المغرب مسؤولية الأزمة، إذ ركزت على ما وصفته بـ”تراخي” القوات المغربية المكلفة بمراقبة المنطقة الحدودية، واعتبرت أن وصول آلاف الأشخاص بصورة متزامنة إلى منطقة تخضع عادة لمراقبة أمنية مشددة لا يمكن تفسيره باعتباره تحركا عفويا فقط.

واختارت صحيفة إلفارو دي سبتة عناوين قوية من قبيل “أسوأ أزمة هجرة تعيشها سبتة أمام تقاعس المغرب”، و”المغرب يضحك على إسبانيا”، و”إسبانيا وأوروبا تتخليان عن سبتة أمام الابتزاز المغربي”.

وركزت الصحيفة على انهيار القدرة التشغيلية للمدينة، بعد امتلاء مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين ومراكز استقبال القاصرين، وانتشار الآلاف في الشوارع والحدائق والشواطئ، إلى جانب إغلاق عدد من المتاجر وتعليق الاحتفالات المحلية التي كانت مقررة مطلع غشت.

كما نقلت الصحافة المحلية تحذيرات النقابات الأمنية والأطر الصحية من أن الأزمة تجاوزت مسألة مراقبة الحدود، وأصبحت تهدد قدرة المستشفيات ومرافق الإيواء وخدمات الطوارئ على الاستمرار في العمل.

أما موقع سبتة آل ديا ، فتابع التطورات لحظة بلحظة، وركز على انتشار الجيش، والتوتر في الشوارع، وعودة أعداد من الوافدين نحو المغرب بعدما اصطدموا بغياب المأوى والطعام، إلى جانب تصاعد غضب السكان من طريقة تدبير الحكومة المركزية للأزمة.

“لا فانغوارديا”: تقاعس مغربي وفشل إسباني

صحيفة “لا فانغوارديا” قدمت قراءة مزدوجة، حملت فيها المسؤولية للمغرب وحكومة بيدرو سانشيز في الوقت نفسه، قائلة في افتتاحية خصصتها للأزمة ، إن الحدود تحولت إلى “ممر مفتوح” بسبب سلبية الشرطة المغربية، معتبرة أن تجارب سابقة أثبتت أن الرباط قادرة على التحكم في تدفقات الهجرة عندما تريد ذلك.

وأعادت الصحيفة التذكير بأزمة ماي 2021، عندما دخل نحو تسعة آلاف شخص إلى سبتة بعد استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج، وهي الأزمة التي ربطت الرباط حينها بصورة شبه صريحة بين تداعياتها والخلاف الدبلوماسي مع مدريد.

لكن “لا فانغوارديا” انتقدت أيضا استعدادات الحكومة الإسبانية، متسائلة عما إذا كانت الأجهزة الاستخباراتية قد رصدت التحركات المتصاعدة خلال الأيام السابقة، ولماذا لم يجر تعزيز الحدود رغم وصول مئات الأشخاص يوميا وصدور تحذيرات متكررة من السلطات المحلية والنقابات الأمنية.

وربطت افتتاحية الصحيفة توقيت الأزمة بزيارة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر وطي صفحة الخلاف بين البلدين، معتبرة أن عودة التقارب السياسي والاقتصادي بين مدريد والجزائر ربما لم تكن موضع ارتياح في الرباط، بالنظر إلى الصراع الجزائري المغربي وموقف البلدين المتناقض من قضية الصحراء.

الإعلام العمومي يسأل: هجرة أم إكراه سياسي؟

هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية RTVE ذهبت إلى وضع فرضية الضغط السياسي في صلب تغطيتها، من خلال تقرير حمل عنوان: “الدخول الجماعي وغير القانوني لآلاف الأشخاص إلى سبتة.. أزمة هجرة أم إكراه سياسي؟”.

وأشار التقرير إلى أن الأزمة اندلعت بعد نحو أسبوع من زيارة سانشيز إلى الجزائر، لكنه شدد على أن أسئلة كثيرة ما تزال بلا أجوبة، وأنه من السابق لأوانه إثبات وجود قرار سياسي مغربي بفتح الحدود.

ونقلت القناة العمومية عن خبراء في الشأن المغاربي أن هناك “نمطا” سبق للسلطات المغربية أن استخدمته، يقوم على توظيف حركة المهاجرين لإرسال رسائل سياسية إلى إسبانيا عند حصول خلافات دبلوماسية.

وفي المقابل، أبرزت RTVE الرواية الرسمية لحكومة سانشيز، التي أكدت أن العلاقات مع المغرب “ممتازة”، وأن التنسيق بين البلدين ما يزال مستمرا، وأن الرباط ومدريد اتفقتا على تعزيز مراقبة الحدود وتسريع إعادة الأشخاص الذين لا تتوفر فيهم شروط الإقامة أو الحماية الدولية.

“إل إسبانيول”: غزو منسق وحرب هجينة

تبنت صحيفة إل إسبانيول أشد المواقف صرامة بين كبريات الصحف الإسبانية، إذ اعتبرت أن ما وقع “ليس أزمة هجرة، بل غزو منسق” لم يكن ممكنا من دون “تواطؤ سلبي على الأقل من الحكومة المغربية”.

ووصفت الصحيفة الأزمة بأنها “عمل عدائي من أعمال الحرب الهجينة” يستهدف السيادة الإسبانية، ودعت سانشيز إلى إعلان حالة طوارئ وطنية، وتولي القيادة الموحدة للأزمة، ونشر الجيش وإعادة الأشخاص الذين دخلوا بصورة غير قانونية.

وربطت الصحيفة بين الأزمة والتقارب الإسباني الجزائري، واستمرار التوتر حول الصحراء، وحكم المحكمة العليا الإسبانية الذي منع عمليات الإعادة الفورية بحق الأشخاص الذين يصلون إلى سبتة ومليلية عبر البحر.

كما نقلت عن جمعيات الحرس المدني وصفها ما يجري بأنه “غزو مدبر وفوضى مطلقة” ، مشيرة إلى أن عدد العناصر والوسائل البحرية المتوفرة لا يكفي للتعامل مع حجم الوافدين.

وذهبت صحيفة “فوزبوبولي” في الاتجاه نفسه، إذ نقلت عن جهات شرطية وعسكرية اتهامها المغرب باستخدام “استراتيجية حرب هجينة”، عبر تحويل الضغط البشري على الحدود إلى ورقة سياسية وأمنية في مواجهة مدريد.

“إل باييس” تركز على الفوضى وشهادات الوافدين

في مقابل النبرة الأمنية والسيادية، ركزت صحيفة إل باييس على التغطية الميدانية وشهادات الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة، إذ وصفت مشاهد شباب وعائلات وقاصرين ينامون في الشوارع والحدائق وعلى الشواطئ، بعد أن دخل كثير منهم بملابس السباحة ومن دون طعام أو أمتعة، بينما قرر آخرون العودة إلى المغرب بعدما تبين لهم أن الوصول إلى سبتة لا يعني الانتقال المباشر إلى شبه الجزيرة الإيبيرية أو الحصول على وثائق الإقامة.

ونقلت “إل باييس” شهادات لشباب مغاربة قالوا إنهم غادروا بسبب البطالة وانعدام الأفق والرغبة في مساعدة أسرهم، كما سلطت الضوء على أشخاص ناشدوا الحرس المدني عدم إعادتهم إلى المغرب.

ولم تتبن الصحيفة مباشرة وصف “الغزو”، لكنها أبرزت عجز قوات الأمن وخروج الوضع عن السيطرة، واستمرار العبور خلال الساعات التي كانت فيها الحكومة الإسبانية تشيد بالتعاون مع السلطات المغربية.

الصحافة اليسارية تحذر من خطاب “الغزو”

اختارت صحيفة بوبليكو تقديم الأزمة من زاوية إنسانية وحقوقية، وركزت على أشخاص ألقوا بأنفسهم في البحر رغم عدم إتقانهم السباحة، وعلى وجود قاصرين ونساء وعائلات يمكن أن يكون من بينهم طالبو لجوء أو أشخاص معرضون للاضطهاد.

وشككت الصحيفة، نقلا عن محامين ومنظمات حقوقية، في الرواية القائلة إن حكم المحكمة العليا أحدث “تأثيرا جاذبا” شجع على الهجرة، موضحة أن عمليات الوصول كانت تتصاعد قبل صدور الحكم.

وأكدت أن القرار القضائي لا يمنع إعادة المهاجرين بصورة قانونية، لكنه يفرض تحديد هوية كل شخص، وتوفير محام ومترجم، ودراسة احتمال حاجته إلى الحماية الدولية، بدلا من تنفيذ إعادات جماعية وفورية.

أما صحيفة “إل دياريو”، فركزت على عدد القتلى والضمانات القانونية، وانتقدت استثمار حزب فوكس وقطاعات من اليمين للأزمة في نشر خطاب يربط الوافدين بالجريمة والعنف.

بدورها، قدمت إذاعة “كادينا سير” مواقف متباينة، إذ استبعد بعض محلليها أن يتحرك عشرات الآلاف في وقت متزامن بصورة عفوية، بينما حذر آخرون من تجريد الوافدين من إنسانيتهم وتحويل المأساة إلى ورقة في الصراع الانتخابي.

حكم المحكمة العليا في قلب الجدل

بالتوازي مع فرضية الضغط السياسي المغربي، حضرت بقوة رواية حكومة سانشيز التي تتهم شبكات تهريب البشر باستغلال حكم أصدرته المحكمة العليا في 8 يوليوز، يقضي بعدم قانونية الإعادة الفورية للأشخاص الذين يدخلون سباحة.

ويفرق الحكم بين من يحاول تجاوز السياج الحدودي، حيث يمكن تطبيق الرفض المباشر بشروط محددة، وبين من يصل عبر البحر، إذ يتعين إخضاعه للمسطرة القانونية العادية، مع تمكينه من محام ومترجم وإمكانية تقديم طلب للجوء.

واعتبرت وزارة الداخلية الإسبانية أن شبكات التهريب قدمت الحكم على أنه ضمان للبقاء في إسبانيا، وروجت معلومات مضللة دفعت الآلاف إلى التوجه نحو الحدود.

غير أن منظمات حقوقية ردت بأن هذا التفسير يهدف إلى تحميل القضاء مسؤولية إخفاق أمني وسياسي، مؤكدة أن الحكم لم ينشئ حقا جديدا، وإنما ألزم السلطات باحترام الضمانات المنصوص عليها في القانون الإسباني والدولي.

سانشيز يصف ما حدث بأنه “هجوم”

ومع تصاعد الانتقادات، انتقل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى سبتة رفقة وزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، حيث وصف التدفق الجماعي بأنه “هجوم وانتهاك لوحدة الأراضي الإسبانية”، متعهدا باستعمال موارد الدولة لاستعادة السيطرة.

وأعلن سانشيز تعزيز قوات الجيش والحرس المدني والشرطة، وإقامة مركز مؤقت لتسجيل الوافدين وتسريع إجراءات إعادة من لا يملكون أساسا قانونيا للبقاء، فضلا عن وضع حواجز عائمة قرب حاجز تاراخال البحري.

وفي الوقت نفسه، شدد على استمرار التعاون مع المغرب من أجل وقف التدفقات وتسريع عمليات الإعادة، متجنبا توجيه اتهام مباشر إلى الرباط، رغم الضغوط السياسية والإعلامية التي تطالب حكومته بالكشف عما إذا كانت الأزمة مرتبطة بالتقارب الأخير مع الجزائر.

أزمة هجرة تحولت إلى صراع جيوسياسي

تكشف قراءة التغطية الإسبانية أن الأزمة تجاوزت بسرعة بعدها الإنساني والأمني، لتتحول إلى اختبار للعلاقة بين مدريد والرباط، ولسياسة إسبانيا تجاه الجزائر والصحراء، ولقدرة حكومة سانشيز على حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

ورغم اختلاف التوجهات السياسية للصحف، يبرز اعتقاد واسع بأن حجم التحرك وتوقيته يصعب تفسيرهما بالعوامل الاقتصادية أو المناخية وحدها. لكن لا توجد، حتى الآن، أدلة علنية تثبت أن السلطات المغربية أصدرت قرارا منظما بفتح الحدود.

وبناء على ذلك، تظل فرضية توظيف الهجرة للضغط على إسبانيا حاضرة بقوة في الإعلام الإسباني، لكنها ما تزال في دائرة التحليل والاشتباه السياسي، بينما تتمسك مدريد والرباط علنا برواية التعاون ومواجهة شبكات التهريب، في انتظار اتضاح ملابسات أكبر أزمة تشهدها حدود سبتة منذ سنوات.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا