على بعد شهرين من تشريعيات 2026، تعيش الساحة السياسية الوطنية على وقع تحولات حاسمة وتجاذبات غير مسبوقة داخل البيت الداخلي للتحالف الحكومي، حيث بدأت معالم التنسيق والانسجام المعهودة تتآكل لصالح منافسة شرسة ومبكرة.
هذا التحول “الراديكالي” -كما يصفه البعض- كشف عن هشاشة التوافقات الاستراتيجية التي صمدت لسنوات، مُعلنا الانتقال الرسمي من منطق التضامن التنفيذي الموحد إلى منطق التدافع والبحث عن مخرجات آمنة، يُعزى فيها النجاح للذات وتُلقى فيها التبعات الاجتماعية على الشركاء.
ودخلت أحزاب التحالف الحكومي بالمغرب مرحلة جديدة وغير مسبوقة من التنافس السياسي المبكر؛ إذ لم تعد حدة المواجهة محصورة في كواليس الأغلبية، بل خرجت إلى العلن عبر تصريحات ومواقف رسمية تتبادل فيها الأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة التشكيك والتنديد.
ومع الاقتراب التدريجي لموعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، انتقلت مكونات التحالف من منطق الدفاع المتضامن عن الحصيلة الحكومية إلى منطق الدفاع عن الذات، واستثمار الملفات الاجتماعية واجتذاب الكفاءات البارزة لإعادة رسم الخريطة السياسية المقبلة.
وتأتي هذه التطورات المتسارعة في ظرفية دقيقة تتسم بتزايد حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، مما جعل الملفات المعيشية الحارقة وقضايا الدعم العمومي ساحة استعراضية لتصفية الحسابات السياسية وسحب البساط.
ومع دنو اقتراع الـ23 شتنبر القادم، بات جليا أن أطراف الأغلبية الثلاثة لم تعد تكتفي بالدفاع عن حصيلتها المشتركة، بل انخرطت في صراع علني لإعادة التموضع، مستخدمة خطابات التشكيك من جهة، ومُدشنة “ميركاتو” محموما لاستقطاب الأعيان والكفاءات الوازنة من جهة أخرى.
بركة يتنصل من التضامن
بدأت شرارة التصعيد الأخير بمواقف حادة أطلقها الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، خلال لقاء حزبي؛ حيث قدّم حزبه باعتباره “البوصلة الضامنة للتوازن السياسي” في البلاد وسط ما وصفه بـ”حالة الضبابية”.
بركة أشار صراحة إلى أن الاستقلاليين لا يعتمدون المجاملة في الشأن العام، مبرزا أنه وضع هذه الملاحظات بشكل مباشر أمام رئيس الحكومة في اجتماعات هيئة الأغلبية بحضور البرلمانيين، تأكيداً على أن حزبه لا يتردد في قول الحقيقة داخل المؤسسات وخارجها.
ولم يقف الأمين العام لحزب الاستقلال عند حدود التمايز السياسي، بل وجّه انتقادات لاذعة لطريقة تدبير ملف استيراد الأغنام. واعتبر بركة أن الدعم العمومي المخصص لهذه العملية لم يظهر له أي أثر ملموس على أسعار الأضاحي التي اكتوى بها المواطنون، كاشفا أن بعض المستوردين استفادوا من 500 درهم كدعم عن كل رأس تم استيراده بسعر ألفي درهم، ليتم بيعه لاحقاً للمغاربة بأسعار تراوحت بين 4500 و5000 درهم، مضيفا بلهجة مباشرة: “واش هادا ماشي منكر؟ هادا هو المنكر الباين”.
“الأحرار” يرفض “ميركاتو اللوائح”
رد حزب التجمع الوطني للأحرار لم يتأخر؛ حيث عبر مكتبه السياسي، في بلاغ رسمي، عن استغرابه مما وصفه بـ”استمرار بعض الجهات في جر النقاش العمومي بعيدا عن القضايا الحقيقية للمواطنين”.
واعتبر “الأحرار” أن ترويج المعطيات المغلوطة وافتعال النقاشات الهامشية يعتمدان منطق المزايدة السياسية على حساب الأرقام والحقائق، موضحاً أن مثل هذه الممارسات تغذي خطاب الإحباط والتشكيك وتضر بالعمل الديمقراطي المسؤول، موجهاً دعوة لمرشحيه بالالتزام بأعلى درجات الانضباط والتسلح بحديث الإنجازات.
واستغل عزيز أخنوش الرئيس السابق لحزب التجمع الوطني للأحرار، لقاء تواصليا بمدينة الداخلة لينتقد سلوك أحزاب منافسة تنتظر المواعيد الانتخابية لتعبئة لوائحها. وقال أخنوش إن “بعض الفرقاء ظلوا بعيدين عن الميدان طيلة السنوات الخمس الماضية، ليشرعوا في اللحظات الأخيرة في البحث عن أسماء يستقطبونها لملء اللوائح”.
وشدد أخنوش أن العمل السياسي ليس سوقا للتعاقدات، قائلا: “سمحوا ليا، حنا ماشي فـ(ميركاتو).. اللي عندو عندو واللي ما عندوش ما عندوش”.
“البام” يدافع عن استقطاب لقجع
من جانبه، دخل حزب الأصالة والمعاصرة خط السجال المحموم، خاصة بعد الإعلان الرسمي لقيادته الجماعية، ممثلة في فاطمة الزهراء المنصوري، عن انضمام الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، ورئيس جهة الداخلة وادي الذهب، الخطاط ينجا، إلى صفوف الحزب ومكتبه السياسي.
هذا الاستقطاب أثار ردود فعل داخل حزب “الأحرار” اعتبرت الخطوة استثمارا حركيا وابتزازا انتخابيا للنجاحات الرياضية للوزير الحكومي.
وردا على هذه الاتهامات، خرج العربي المحرشي، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، ليدافع عن قانونية وشرعية هذا الانضمام، مؤكدا في حوار مع جريدة “العمق”، أن فوزي لقجع شخصية سياسية تنشط داخل الحكومة والبرلمان قبل أن يكون مسؤولا رياضيا، ومن حقه الكامل اختيار الإطار الحزبي الذي يمارس فيه قناعاته.
وأوضح المحرشي أن استقطاب الشخصيات الوازنة والخبرات الوطنية لا يعني عجز “البام” عن إنتاج النخب، بل يعكس انفتاحه على الكفاءات وتقوية عرضه السياسي لاستكمال تغطية مختلف الدوائر، تأكيدا لرغبة الحزب الصريحة في تصدر نتائج انتخابات 2026 وقيادة الحكومة المقبلة.
وقعت أحزاب التحالف الحكومي مطلع دجنبر 2021، ميثاقا من أجل تحقيق التعاون وتعميق الانسجام بين مكوناتها.وقالت الأحزاب الثلاثة، (التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، الاستقلال)، إن “الأغلبية توقع هذا الميثاق تجسيدا لالتزامها الجماعي، واستمرارا في مسار تحقيق طموح كافة مكوناتها في إرساء مرحلة جديدة في تاريخ التدبير الحكومي بالمغرب”.
ويرى مراقبون أن الصدمات المتتالية، تؤكد أن التوافق الذي بني عليه التحالف الحكومي شارف على التحول إلى منافسة مفتوحة، حيث يسعى كل طرف إلى النأي بنفسه عن الأخفاقات الاجتماعية واحتكار الإنجازات الاقتصادية، مع تحشيد الكفاءات والأعيان كأوراق ضغط لحسم معركة التموضع في الاستحقاقات التشريعية القادمة.
وكانت أحزاب التحالف الحكومي، أكدت أن “ميثاق الأغلبية يعد إطارا مؤسساتيا وأخلاقيا وسياسيا، ومرجعا يحدد وينسق ويوحد أساليب الاشتغال والتعاون بين مختلف المؤسسات الحكومية والبرلمانية، بما يتيح توطيد وتعميق الانسجام بين مكونات الأغلبية، ويعطي أوسع الآفاق للعمل الجدي والمشترك من أجل تنفيذ البرنامج الحكومي 2021-2026، ويؤهل مكونات الأغلبية لتكون في الموعد مع انتظارات الشعب المغربي وطموحاته وآماله، التي تعكسها الإصلاحات المتعهد بها من طرف أحزاب الأغلبية”.
المصدر:
العمق