آخر الأخبار

دفاعاً عن استقلال التنظيم القضائي الداخلي للمحاكم .

شارك

الدكتور عدنان المتفوق الكاتب العام لنادي قضاة المغرب//

يعتبر النقاش العمومي الرصين حول القضايا المرتبطة باستقلال السلطة القضائية وتدبير الشأن القضائي الداخلي للمحاكم مظهراً من مظاهر ترسيخ دولة الحق والقانون، متى انطلق من مرجعيات دستورية وقانونية واضحة، وابتعد عن التأويلات التي قد تمس بتوازن المؤسسات أو تتجاوز حدود الاختصاصات التي رسمها المشرع لكل فاعل داخل منظومة العدالة.

وفي هذا السياق، وتفاعلاً مع مقال “دفاعاً عن سمعة القضاء” للرئيس السابق لنادي قضاة المغرب الأستاذ عبد الرزاق الجباري، المنشور بعدد من الجرائد الإلكترونية، تأتي هذه القراءة الدستورية والقانونية مساهمةً في إثراء النقاش العلمي والمهني حول حدود مشاركة الفاعلين في تدبير التنظيم القضائي الداخلي، واستجلاء الإطار الدستوري والقانوني المنظم لهذه المسألة، بما يكرس احترام مبدأ استقلال السلطة القضائية والتوازن بين مختلف مكونات منظومة العدالة.

وانطلاقاً من ذلك، يثير النقاش بشأن إشراك نقيب هيئة المحامين في إعداد جدول الجلسات أو في تعيين القضاة المكلفين بها تساؤلات قانونية ودستورية جوهرية، تستوجب الوقوف عند النصوص الدستورية والقانونية المؤطرة لهذا الاختصاص، وبيان الجهة التي أسند إليها المشرع صلاحية تدبير التنظيم القضائي الداخلي، في إطار احترام مبدأ استقلال السلطة القضائية وسيادة القانون.

إن دستور المملكة، ولا سيما الفصل 107 منه، أقر مبدأ استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، وجعل من هذا الاستقلال ضمانة دستورية لحماية الحقوق والحريات وترسيخ دولة الحق والقانون. كما أكد الفصل 109 على ضرورة حماية القضاة من كل تدخل أو تأثير في ممارسة مهامهم، بما يضمن استقلال المؤسسة القضائية في مختلف أبعادها.

وفي الإطار نفسه، جاء القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي ليحدد بدقة الجهات المختصة بتدبير التنظيم الداخلي للمحاكم، حيث أسند إلى مكتب المحكمة صلاحية وضع برنامج تنظيم العمل، وتحديد الغرف والهيئات القضائية، وتأليفها، وتوزيع القضايا والمهام على القضاة، وضبط عدد الجلسات وأيام وساعات انعقادها.

كما ألزم رئيس المحكمة ووكيل الملك، أو الرئيس الأول والوكيل العام للملك، بحسب الأحوال، باستطلاع آراء القضاة قبل اجتماع مكتب المحكمة، دون أن ينص على مشاركة أي جهة خارج مكونات المحكمة في ممارسة هذه الاختصاصات، كما خول للجمعية العامة للمحكمة ممارسة الاختصاصات المسندة إليها قانوناً في مجال التنظيم القضائي.

ويترتب على ذلك أن أي توسيع لدائرة الجهات المشاركة في اتخاذ هذه القرارات التنظيمية لا يمكن أن يتم إلا بتدخل تشريعي صريح، لأن الاختصاصات المتعلقة بتنظيم العمل القضائي هي اختصاصات قانونية محددة على سبيل الحصر، ولا يجوز تعديلها أو إضافة أطراف جديدة إليها عن طريق الاجتهاد أو الأعراف المهنية.

ولا خلاف في أن المحاماة تحتل مكانة دستورية رفيعة باعتبارها شريكاً أساسياً في تحقيق العدالة والدفاع عن الحقوق والحريات، غير أن الشراكة في تحقيق العدالة تختلف عن المشاركة في تدبير التنظيم الداخلي للمحاكم، فالتكامل بين مكونات منظومة العدالة لا يعني تداخل الاختصاصات، وإنما يقتضي احترام الحدود التي رسمها الدستور والقانون لكل مهنة، بما يضمن التوازن المؤسساتي واستقلال كل مكون من مكونات العدالة.

ومن الدلالات العملية على هذا الاحترام المتبادل لاستقلال المؤسسات، أنه لم يسبق للجمعيات المهنية للقضاة، أن طالبت بعضوية المسؤولين القضائيين في تركيبة مجالس هيئات المحامين أو بالمشاركة في تدبير شؤونها الداخلية، إدراكاً منها لاستقلال مؤسسة المحاماة واحتراماً للاختصاصات التي خولها لها القانون.

وبالمقابل، فإن احترام المبدأ ذاته يقتضي عدم المطالبة بإشراك أي جهة خارج مكونات المحكمة في ممارسة اختصاصات تنظيمية أسندها المشرع حصراً للأجهزة القضائية المختصة.

إن استقلال السلطة القضائية لا يقتصر على استقلال القاضي عند إصدار الأحكام، وإنما يشمل كذلك استقلال المؤسسات القضائية في تدبير شؤونها التنظيمية والإدارية وفق ما رسمه القانون.

ومن ثم، فإن احترام الاختصاصات القانونية لكل مكون من مكونات منظومة العدالة يمثل المدخل الحقيقي لتعزيز الثقة في العدالة وترسيخ التعاون البناء بين القضاء والمحاماة، على أساس التكامل والاحترام المتبادل، لا على أساس تداخل الاختصاصات أو تجاوز الحدود التي رسمها المشرع.

كود المصدر: كود
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا