آخر الأخبار

خبير يوصي بإجراءات من أجل تطوير السينما المغربية والسيادة الثقافية

شارك

في قراءة تحليلية لتاريخ ومسار الفن السابع في المملكة المغربية، يقدم عبد الرزاق كواري، الخبير المتخصص والممارس في مجال السينما والسمعي البصري والباحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية، رؤية استراتيجية تروم إعادة الاعتبار لمكانة السينما المغربية.

وقال الباحث، ضمن مقال توصلت به هسبريس، إن السينما السياسية لعبت دورا محوريا في التفوق الجيوسياسي لمجموعة من الدول؛ وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أن الريادة الفنية كانت فرنسية بامتياز.

وأضاف الكاتب أن الأخوين لوميير كانا أول من وثق لحظات واقعية على دعامة فضية عام 1894، مؤكدا أن هذا الاكتشاف استند إلى الأبحاث البصرية التأسيسية للعالم العربي ابن الهيثم، الذي اكتشف انعكاس الصورة داخل الغرفة المظلمة نهاية القرن العاشر.

وأكد الخبير في مقاله أن فرنسا وحلفاءها سارعوا إلى تسخير الإنتاجات السينمائية لخدمة مصالحهم الاستراتيجية بالتزامن مع فترة التوسع الاستعماري.

البدايات المبكرة لريادة المغرب السينمائية

أورد كواري، ضمن مقاله، أن المملكة المغربية الشريفة كانت من أوائل الدول التي استعملت السينما مباشرة بعد اختراعها، لتصبح بذلك أول بلد عربي وإفريقي كامل السيادة يمارس الفن السينمائي قبل فرض الحماية.

وأضاف الخبير المتخصص والممارس في مجال السينما والسمعي البصري أن ماضي السينما المغربية يبدو أفضل من حاضرها، حيث تم تصوير فيلم سينمائي بالمغرب عام 1897 على يد المخرج لويس لوميير تحت عنوان “راعي الماعز المغربي”.

وقال إن السلطان مولاي عبد العزيز أقام عرضا سينمائيا بالقصر الملكي بفاس في العام نفسه، رافضا ادعاءات بعض الإعلاميين الفرنسيين الذين شككوا في هذا الحدث التاريخي.

وأكد الخبير أن السلطان، وبعد تخلصه من وصاية الصدر الأعظم “باحماد”، طلب استيراد معدات سينمائية من باريس ولندن، وفتح مناقصة عالمية فاز بها الفرنسي غابرييل فييري الذي صور أول فيلم مغربي الجنسية باسم “فانتازيا”.

وأضاف أن هذا يجعل السلطان مولاي عبد العزيز أول سينمائي ومخرج مغربي وثق عادات المغرب بأفلام ملونة استمرت حتى وفاته عام 1936.

الاستعمار والمقاومة الثقافية

انتقل الباحث في مقاله ليوضح كيف تحولت السينما، مع فرض الحماية الفرنسية، إلى سلاح بيد المستعمر لطمس الهوية والتاريخ المغربي.

وقال كواري ضمن مقاله إن فرنسا استغلت هذا الفن لفرض ثقافتها تحت ذريعة “المهمة التحضرية”، لافتا إلى أن “السلطان المغفور له محمد الخامس والمقاومين انتبهوا إلى خطورة إدمان الشباب على السينما الغربية؛ فلجأوا إلى الإنتاجات المصرية لحماية الهوية والثوابت الدينية”.

وأكد الباحث أن هذا التوجه دفع سلطات الحماية إلى تأسيس لجنة فرنسية لتنظيم السينما عام 1940، قبل أن يتدخل جلالة الملك محمد الخامس ويضغط لتأسيس “المركز السينمائي المغربي” في يناير 1944 بهدف إنتاج الأفلام وتكوين خزانة سينمائية تخدم مصالح الوطن.

وأبرز أنه على الرغم من هذا التلاحم القوي بعد الاستقلال للحفاظ على السيادة، فإن السينما الوطنية ظلت راكدة، باستثناء مبادرات شجاعة كفيلم “الابن العاق” لمحمد عصفور الذي أنتجه من ماله الخاص لتعزيز العلامة الوطنية.

الرعاية الملكية والتألق العالمي

أكد عبد الرزاق كواري في المقال ذاته أن التدخل الملكي للملك الراحل الحسن الثاني، عبر إنشاء صندوق دعم الإنتاج السينمائي الوطني في دجنبر 1979، أعاد الروح إلى الإنتاجات المغربية بعد سنوات من الجمود.

وأضاف الباحث أن الملك الراحل كان خبيرا سينمائيا أسس قاعة خاصة داخل القصر العامر لتحليل الإنتاجات العالمية، وحرص على جلب نجوم السينما للتصوير بالمغرب.

وقال الكاتب إن “صاحب الجلالة الملك محمد السادس واصل هذا المسار بجعل تطوير السينما من أولوياته؛ وهو ما توج بتأسيس “المهرجان الدولي للفيلم بمراكش” عام 2002″.

وأكد الخبير أن إنجازات هذه المؤسسة الملكية غير الربحية، تحت الإشراف الفعلي للأمير مولاي رشيد، فاقت الإنجازات الحكومية، وأعادت الاعتبار للسينما المغربية عالميا.

وفي المقابل، أضاف كواري أن غياب المواكبة الإدارية الصارمة للدعم العمومي جعل السينما المغربية تعاني من تواضع السيناريوهات التي ركزت على تضخيم الأحداث السياسية الداخلية؛ مما وفر ورقة استغلها أعداء الوطن للإساءة إلى المملكة.

نحو مؤسسة سيادية للسينما والسمعي البصري

خلص كواري إلى أن الصراعات السياسية والحزبية تعطل التقدم السينمائي المنشود.

وقال الباحث، ضمن مقاله، إن ربط المركز السينمائي بمؤسسات حكومية لا يتماشى مع النموذج المغربي الناجح المرتبط تاريخيا بالمؤسسة الملكية.

وأكد على ضرورة تأسيس “مجلس أعلى لتطوير الإنتاجات السينمائية والسمعية البصرية” كمؤسسة سيادية تابعة للمؤسسة الملكية لضمان استمرارية الإصلاحات.

وأضاف أن هذا المجلس سيضمن تكافؤ الفرص ويغير فلسفة الدعم من تقديم مبالغ مالية مباشرة قد تتعرض للاختلاس، إلى توفير دعم لوجستي جزئي وثابت عبر المركز السينمائي.

وقال الخبير إن المركز سيتكفل بأداء أجور العاملين وتكاليف كراء المعدات مباشرة؛ مما يغلق الباب أمام التحايل المالي والمحسوبية والإثراء الفاحش.

وأكد الباحث، في ختام مقاله، أن هذه المؤسسة السيادية ستعمل على جلب استثمارات ضخمة وإنشاء مدن سينمائية وإعلامية، لتمكين المغرب من دخول الأسواق الإفريقية والأوروبية بقوة، وصولا إلى امتلاك وحدات تصوير وبث مغربية خالصة تكرس مكانة المملكة كقطب سينمائي وإعلامي دولي.

وقال إن المجهودات المبذولة حاليا، رغم أهميتها والتغييرات الملموسة التي حملتها القوانين الجديدة لتعزيز السيادة المغربية وحماية الثوابت الوطنية، تظل رهينة للصراعات السياسية والحزبية التي تعطل وتيرة التقدم.

وسجل كواري أن ربط المركز السينمائي المغربي بمؤسسات حكومية ثقافية لا يتماشى مع النموذج المغربي المنشود، مبرزا أن قوة الإنتاجات السينمائية المغربية عبر التاريخ كانت دائما مرتبطة بالرعاية المباشرة للمؤسسة الملكية، كما هو الحال مع النجاح الباهر للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش.

وأضاف الخبير أن الإشراف المباشر للمؤسسة الملكية على هذا المجلس الأعلى سيمنح القطاع مصداقية أكبر ونجاعة أقوى بعيدا عن الحسابات الإيديولوجية المؤثرة؛ وهو ما سيضمن استمرارية الإصلاحات.

وأكد الكاتب في مقاله أن هذه الاستقلالية الإدارية والمالية ستبعد تدبير القطاع عن تقلبات التوجهات الحكومية المتعاقبة، وتتيح تعيين مختلف اللجان المختصة بعيدا عن التلاسنات والاتهامات التي تضعف تطور العمل السينمائي بالمملكة.

تفكيك ريع الدعم المالي واعتماد اللوجستيك

في مقاربته لآليات عمل هذه المؤسسة السيادية المقترحة، قال الباحث ضمن مقاله إن المجلس الأعلى سيضمن حق تكافؤ الفرص لجميع المنتجين ويؤسس لتوزيع عادل للدعم السينمائي.

وأوضح كواري أن هذا الدعم يجب أن يتغير جذريا في صيغته، لينتقل من تقديم مبالغ مالية مباشرة للشركات، والتي غالبا ما تتعرض للاختلاس أو الهدر وتؤدي إلى إغراق المحاكم بالقضايا المعروضة على القضاء، إلى تقديم خدمات لوجستية يشرف عليها المركز السينمائي المغربي.

وأضاف الباحث أن هذه الآلية الجديدة لترشيد النفقات العمومية ستعتمد على توفير المركز السينمائي للوائح دقيقة للتقنيين والفنيين والممثلين المعتمدين والمؤهلين، مع تصنيفهم حسب كفاءاتهم وخبراتهم المهنية، إلى جانب توفير لوائح للأستوديوهات وأجهزة التصوير والإضاءة والصوت وصناعة الديكور.

وأكد الخبير أن المركز سيتكفل، بناء على هذا الدعم الجزئي والثابت، بأداء أجور العاملين وتكاليف كراء المعدات وأماكن التصوير بشكل مباشر؛ بل وسيوفر سيناريوهات متاحة للاختيار يضمن عدم قرصنتها بتنسيق مع المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة.

وقال الكاتب إن هذا الإجراء الحاسم سيغلق الباب نهائيا أمام التحايل المالي والمحاباة والمحسوبية في التوظيف، وسيضع حدا للإثراء الفاحش من الدعم العمومي.

وأضاف أن هذه الصيغة ستمنح الفرصة لصغار المنتجين لدخول سباق الإنتاج، حيث ستقتصر مهمتهم على ترويج وبيع إنتاجاتهم، بينما ستستعيد الكفاءات التقنية والفنية ثقتها بضمان تسلم أجورها في مواعيدها المحددة.

ولم يغفل المقال تحديد تموقع المركز السينمائي المغربي في ظل هذه الهندسة المؤسساتية الجديدة، حيث أكد الباحث أن ربط المركز بالمؤسسة السيادية المشرفة سيجعله يتفرغ كليا لكل ما هو قانوني ومسطري.

وقال كواري إن مهام المركز ستتركز على منح التراخيص ومراقبة سيرورة الإنتاجات، والتدخل لفض النزاعات التجارية بصفته مؤسسة تحكيمية رسمية.

وأورد الخبير أن المركز سيحظى بصلاحيات موسعة تشمل إنجاز خبرات ميدانية كوسيلة إثبات مساعدة للقضاء، إلى جانب العناية بالجانب التكويني والتدبيري.

وأكد أن هذا التنظيم المحكم للعمل التقني والفني سيخرج العديد من المهن من خانة العمل خارج إطار القانون؛ مما سيساهم في توفير كفاءات محترفة تلبي حاجيات الإنتاجات العالمية، ويزيد من التحصيل الضريبي، ويكسب ثقة المؤسسات المالية والتجارية للاستثمار في المجال وفق ميزانية واضحة ومضمونة، مع الحرص على رقمنة جميع الإجراءات وتبسيطها.

وفي الشق المرتبط بالإشعاع الخارجي، قال الباحث إن المؤسسة السيادية ستسهر على جلب الإنتاجات العالمية والتنسيق مع شركات الإنتاج العملاقة لتوفير فرص استثمارية ضخمة.

وأضاف كواري أن هذه الرؤية تطمح إلى خلق مدن سينمائية وإعلامية سيادية وطنية وقارية، والتواصل مع مختلف شركات الإشهار للانخراط الفعلي في الإنتاجات الوطنية.

وأكد الباحث أن هذا التوجه الاستراتيجي سيفتح الباب أمام المملكة المغربية لاقتحام الأسواق الإفريقية والأوروبية والعالمية بقوة، متصرفة كمؤسسة سيادية فاعلة وليس مجرد شركة وطنية ينظر إليها كمنافس تقليدي.

وخلص الكاتب ضمن مقاله إلى أن الهدف الأسمى لهذه المؤسسة السيادية هو منح الأولوية المطلقة للصناعة المغربية، للوصول إلى مرحلة امتلاك وحدات تصوير وبث مغربية خالصة، ووحدات فيديو مساعد للحكام (الفار) مغربية، ووحدات سينمائية عملاقة مغربية مائة في المائة تحترم مواصفات الجودة العالمية؛ مما سيتوج المغرب كقطب سينمائي وإعلامي دولي متكامل.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا