تحولت مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية بمنطقة تماسينت التابعة لإقليم ورزازات إلى برك من المياه العادمة، نتيجة تسربات متواصلة لشبكة الصرف الصحي، في مشهد أثار استياء واسعا في صفوف الساكنة والفلاحين، الذين دقوا ناقوس الخطر بشأن التداعيات البيئية والصحية والاقتصادية لهذا الوضع الذي يتكرر، بحسبهم، منذ سنوات دون إيجاد حل جذري.
ورصدت جريدة “العمق “، خلال زيارة ميدانية إلى المنطقة، تدفق كميات كبيرة من المياه العادمة نحو الحقول الفلاحية، حيث غمرت أجزاء واسعة من الأراضي الزراعية، مخلفة روائح كريهة وانتشارا للحشرات، في مشهد يهدد النشاط الفلاحي ويقوض مصدر عيش عدد كبير من الأسر التي تعتمد على هذه الأراضي في تأمين قوتها اليومي.
وأكد عدد من المتضررين أن استمرار تسرب المياه العادمة ألحق أضرارا مباشرة بالمحاصيل الزراعية وجودة التربة، كما ساهم في انتشار الحشرات والبعوض، خاصة مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، وهو ما زاد من معاناة الساكنة وأصبح يشكل تهديدًا للصحة العامة.
وفي تصريح لجريدة “العمق”، قال هشام هردام، أحد أبناء المنطقة، إن سكان حي تماسينت، وبالضبط بمنطقة الزاوية، يعيشون معاناة متكررة مع فيضان مياه الصرف الصحي، موضحا أن المشكلة ليست وليدة اليوم، بل تتكرر كلما شهدت المنطقة تساقطات مطرية أو ارتفع منسوب المياه داخل الشبكة.
وأضاف أن الساكنة سبق أن راسلت السلطات المحلية والجهات المكلفة بتدبير قطاع الماء والتطهير السائل، كما وجهت شكايات متكررة للمصالح المختصة، غير أن التدخلات، حسب تعبيره، ظلت تقتصر على “حلول ترقيعية” لا تعالج أصل المشكل، مما يجعل الأزمة تتجدد في كل مرة.
وأوضح هردام أن الوضع يزداد سوءا خلال فصل الصيف، حيث تنتشر الروائح الكريهة والحشرات بشكل كبير، وهو ما يحرم السكان من الراحة داخل منازلهم، ويجعل استغلال الحقول الفلاحية أمرا شبه مستحيل بسبب تلوثها المستمر بالمياه العادمة.
وأشار المتحدث إلى أن أصل المشكل يعود، وفق المعطيات التي يتوفر عليها السكان، إلى ربط شبكة الصرف الصحي الخاصة بدوار إسفوتاليل بالشبكة القديمة الخاصة بتماسينت، رغم محدودية طاقتها الاستيعابية، موضحا أن القنوات الحالية لم تعد قادرة على استيعاب حجم المياه الناتج عن الدواوير المرتبطة بها، الأمر الذي يؤدي باستمرار إلى انسداد الشبكة وفيضانها.
وأكد أن الجهات المعنية قامت في وقت سابق بإنجاز تدخلات محدودة وصفها بـ”الترقيعية”، عبر تغيير جزء من القنوات دون معالجة البنية التحتية بشكل شامل، وهو ما جعل المشكلة تستمر رغم تكرار الشكايات والمحاضر المنجزة، بما فيها محاضر أنجزها مفوض قضائي، بحسب إفادته.
وأضاف أن العديد من الأسر تخلت عن استغلال جناناتها بسبب استمرار تلوثها بالمياه العادمة، رغم أنها كانت تشكل مصدر رزقها الرئيسي، معبرا عن أسفه لما آل إليه الوضع، ومؤكدا أن الفلاحين يتكبدون خسائر مادية كلما حاولوا استصلاح أراضيهم قبل أن تغمرها المياه الملوثة من جديد.
وفي السياق ذاته، تعالت أصوات فعاليات محلية وحقوقية وعدد من الصفحات المهتمة بالشأن المحلي، معتبرة ما يحدث “جريمة بيئية متكاملة الأركان”، محذرة من خطورة استمرار تدفق المياه العادمة على الفرشة المائية والحقول الفلاحية وصحة السكان.
وأكدت هذه الفعاليات أن التلوث لم يعد يقتصر على انبعاث الروائح الكريهة، بل أصبح يهدد المجال البيئي لمدينة ورزازات ومحيطها، من مدخل المدينة في اتجاه قلعة مكونة، مرورا بتاصومعت وقنطرة تارميكت، وصولا إلى الحقول الفلاحية بمنطقة تماسينت، في مشهد وصفته بالمسيء لصورة المدينة وللمجال البيئي الذي يفترض أن يحظى بالحماية.
وطالب المتضررون والفعاليات المدنية السلطات الإقليمية والجهات المختصة بالتدخل العاجل لوضع حد لهذا الوضع، عبر إنجاز حل تقني جذري يعالج اختلالات شبكة التطهير السائل، بدل الاكتفاء بالإصلاحات المؤقتة، مع فتح تحقيق لتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية البيئة والفرشة المائية والأراضي الفلاحية، وصون حق الساكنة في العيش داخل بيئة سليمة وآمنة.
المصدر:
العمق