سجل تقرير تقييمي حول الدورة الخامسة والخمسين للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش جملة من الملاحظات والانتقادات التي طالت البرمجة الفنية والتدبير التنظيمي، مؤكدا أن هذه الدورة لم ترتقِ، في عدة جوانب، إلى مستوى المكانة التاريخية التي راكمها هذا الموعد الثقافي، الذي يعد من أعرق المهرجانات التراثية بالمملكة.
وأوضح التقرير، الذي توصلت به جريدة “العمق”، أن المهرجان الذي ظل لأزيد من خمسة عقود واجهة لتعريف الجمهور بغنى وتنوع التراث الشعبي المغربي ومختلف روافده، شهد خلال الدورة الأخيرة اختلالا واضحا في تمثيلية الفرق المشاركة. وبرز هذا الاختلال بشكل خاص خلال الاستعراض الافتتاحي، حيث استحوذت الفرق المحلية المنتمية إلى مدينة مراكش ونواحيها—مثل فرق الدقة المراكشية، وكناوة، وأحواز مراكش—على النصيب الأكبر من الحضور.
وفي المقابل، نبهت الوثيقة إلى ضعف تمثيلية العديد من جهات المملكة، ولا سيما مناطق الشمال، والشمال الشرقي، والغرب، رغم ما تزخر به من ألوان فنية وتراثية عريقة؛ لافتة إلى أن الحضور المحدود لبعض الفرق، مثل “الحصادة” و”هيت تيسة”، لا يجسد التنوع الثقافي المفترض في تظاهرة وطنية تُعنى بتمثيل مختلف الروافد التراثية المغربية.
كما انتقد التقرير غياب فرق ذات حضور تاريخي وازن في المهرجان، من قبيل “حاحا”، و”تگموت”، و”آسا”، و”أسكا أولوز”، بالرغم من إسهامها المشهود في صون الفنون الشعبية، معتبرا أن غيابها يثير تساؤلات مباشرة حول معايير انتقاء المشاركين.
وعلى مستوى تقييم الأداء الفني، رصد المصدر تفاوتا كبيرا في جودة العروض المقدمة على المنصات الخارجية؛ فبينما قدمت بعض المجموعات عروضا تليق بقيمة الفنون الشعبية الوطنية، ظهرت فرق أخرى بمستوى وصفه التقرير بـ”المتواضع جدا”، مما انعكس سلبا على الصورة العامة للمهرجان، وأثار علامات استفهام حول إقصاء فرق وطنية راكمت تجارب طويلة وسجلا حافلا بالمشاركات داخل المغرب وخارجه.
أما بخصوص منصة “قصر البديع”، التي تشكل الفضاء الرئيسي للمهرجان، فقد خصها التقرير بانتقادات تقنية وفنية لاذعة، مشيرا إلى ضعف في الإخراج وفي الوسائل اللوجستيكية؛ حيث عانت العروض من إنارة غير منسجمة مع طبيعة التراث الشعبي، فضلا عن مشاكل متكررة في منظومة الصوت أثرت سلبا على متابعة الجمهور وأضعفت القيمة الفنية للعروض.
ولم تقتصر الملاحظات على الجانب التقني، بل تعدته إلى المضامين الفنية؛ إذ اعتبرت الوثيقة أن العروض الرئيسية افتقدت إلى رؤية إخراجية واضحة، واتسمت بالعشوائية وغياب الترابط والتسلسل الدرامي بين اللوحات الفنية، مما حال دون تقديم تجربة بصرية متكاملة تحاكي تميز الدورات السابقة.
وخلص التقرير إلى أن الحفاظ على الإشعاع الثقافي للمهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش بات يستوجب مراجعة عاجلة لآليات اختيار الفرق، واعتماد معايير موضوعية ترتكز على الجودة، والكفاءة، والخبرة، إلى جانب الارتقاء بالوسائل التقنية والفنية، بما يضمن للمهرجان الاستمرار في أداء رسالته الأساسية المتمثلة في صون الموروث الشعبي المغربي وإبراز تنوعه أمام الجمهورين الوطني والدولي.
المصدر:
العمق