آخر الأخبار

بارات بلادي. بار "مطعم التجار".. حيث كانت الدار البيضاء تُرسم فوق طاولة .

شارك

عمر السعيد – كود ///

يصعب على المارة في شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، مقابل “المارشي سنطرال”، أن يتخيلوا أن هذا البار العتيق كان، ذات يوم، شاهدا على ولادة جزء من المدينة الحديثة. فخلف واجهته التي لم تتغير كثيرا، وبين سقفه المرتفع وكونطواره الخشبي العريض، كانت تُحسم نقاشات ستغير وجه الدار البيضاء إلى الأبد.

مصدر الصورة
في سنوات الحماية الفرنسية، حين كُلّف المهندس المعماري هنري بروست بوضع أول مخطط عمراني للدار البيضاء، اختار شارع محمد الخامس ليكون العمود الفقري للمدينة الجديدة. لكن رسم الشوارع على الورق كان أسهل بكثير من تنفيذها على الأرض. فقد كان عليه أن يقنع ملاك الأراضي بالتخلي عن أجزاء من ممتلكاتهم لفتح الشوارع وبناء الأحياء الجديدة.
وتروي الذاكرة المحلية أن هنري بروست كان يلتقي هؤلاء الملاك داخل بار “مطعم التجار”. هنا كانت تدور المفاوضات، وهنا كانت ترتفع الأصوات أحيانا، وربما كان يضرب بقبضته على الطاولة لإقناع المترددين. ومن هذه الجلسات خرجت قرارات رسمت معالم شارع محمد الخامس، الذي أصبح لاحقا أحد أجمل الشوارع ذات الطابع الآرت ديكو في إفريقيا.

مصدر الصورة
شُيّد البار بعد سنوات قليلة من فرض الحماية، وفق الطراز الكولونيالي الذي ميّز مباني وسط المدينة. وتعاقب على تسييره عدد من الملاك الفرنسيين، قبل أن تؤول ملكيته في أواخر خمسينيات القرن الماضي إلى سيدة فرنسية. وعندما قررت مغادرة المغرب سنة 1972، عرضت بيع البار على كبير النادلين، الذي قضى سنوات طويلة في خدمته، مقابل خمسة ملايين سنتيم. طلب الرجل مهلة لتدبير المبلغ، لكنه لم ينجح في جمعه، لتنتهي الصفقة ببيع البار إلى رجل يدعى بنعمر.
ولم يكن “مطعم التجار” مجرد فضاء للأكل والشرب، بل كان شرفة تطل على تاريخ الدار البيضاء المضطرب. فمن رواده من عاين انفجار القنبلة التي هزت المارشي سنطرال سنة 1954، ومنهم من شاهد الجنرال أوفقير ينزل بفندق لينكولن المجاور سنة 1965، أثناء إشرافه على قمع إضراب التلاميذ الذي شهدته المدينة.
اليوم، ما زال البار مفتوحا، وكأنه يقاوم الزمن. السقف المرتفع، والكونطوار الخشبي الطويل، والزخارف القديمة، كلها عناصر تعيد الزائر إلى زمن كانت فيه المقاهي والبارات فضاءات تُصنع فيها القرارات، وتُنسج فيها العلاقات، وتُكتب فيها، أحيانا، صفحات من تاريخ الدار البيضاء.
فهذا المكان ليس مجرد بار قديم، بل قطعة حية من ذاكرة المدينة؛ ذاكرة ما زالت جدرانها تحتفظ بأصداء المفاوضات، وهمسات الزبائن، وضجيج مرحلة صنعت الدار البيضاء التي نعرفها اليوم.

كود المصدر: كود
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا