آخر الأخبار

تقارب البوليساريو وزيمبابوي يعيد مكائد "الحرب الباردة" إلى الواجهة

شارك

في خضمّ اتجاه النزاع المفتعل حول الصحراء نحو الحسم النهائي، بعد الزخم الذي حظيت به مبادرة الحكم الذاتي المغربية على المستويين الإفريقي والدولي، تحاول جبهة البوليساريو الانفصالية كسر العزلة الدبلوماسية التي باتت تعاني منها، من خلال الترويج لمواقف ودعم بعض الدول التي ما زالت تعيش على إيقاع تحالفات الحرب الباردة، على غرار زيمبابوي التي استقبل رئيسها، إيميرسون دمبودزو منانغاغو، مبعوثا للكيان الوهمي، مجدِّدا ما وصفه بـ”الدعم المطلق واللامشروط لبلاده للشعب الصحراوي من أجل الحرية والاستقلال”، وفق ما ورد في بيان لـ”وكالة الأنباء الصحراوية” الناطقة باسم البوليساريو.

في هذا السياق، يؤكد مهتمون بتطورات قضية الصحراء المغربية أن تحولات المشهد الإقليمي والدولي، ومعادلات القوة الجديدة في إفريقيا والعالم، لم تعد تحتمل الخطابات الإيديولوجية القديمة، بل باتت تُضعف قدرة الجبهة الانفصالية وداعميها على تسويق هكذا خطابات، مبرزين أن أولويات القارة الإفريقية وانشغالات شعوبها التواقة إلى التنمية، إضافة إلى التراكم الدولي الداعم للحكم الذاتي، عوامل تجعل من تغيير مواقف دول مثل زيمبابوي مجرد مسألة وقت لا أكثر، خاصة في ظل انتصار لغة البراغماتية الاقتصادية والجغرافيا السياسية على الخطابات التضامنية التي لا تقدم حلولا حقيقية لتحديات إفريقيا الراهنة.

ضغوط دبلوماسية

قال عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، إن “النشاط الدبلوماسي الذي تروّج له الجبهة الانفصالية فاقدٌ للتأثير ولا يتعدّى صداه حدود وكالة أنباء الجمهورية الوهمية؛ إذ تأمل البوليساريو، عبر هكذا تحركات، تخفيفَ الضغط عن التحركات الدبلوماسية التي تعمل على تطبيق مبادرة الحكم الذاتي المغربية لحل نزاع الصحراء”.

وأضاف الفاتحي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الترويج لهذه الزيارة لدولةٍ قزمةٍ في العلاقات الدولية لن يفيد الجبهة في أي شيء؛ ذلك أن نظام هراري غارق في أزمة سياسية داخلية، حيث يعاني النظام في زيمبابوي من ضغوط كبيرة ناتجة عن محاولة تعديل الدستور لإعادة صناعة ديكتاتورية حاكمة جديدة في البلاد”.

وأوضح أن “البوليساريو تحاول التمسّك بدعم نظام زيمبابوي، الذي يصارع من أجل البقاء على رأس السلطة في ظل عقوبات الاتحاد الأوروبي، الذي يتهمه بالفساد والمسؤولية عن تدهور أوضاع حقوق الإنسان، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية المتراكمة في هذا البلد بسبب ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية غير مسبوقة في تاريخ هذه الدولة الإفريقية”.

وأكد المتحدث ذاته أن “محاولة خلق ملحمة عبر التعبيرات الحماسية لن تكون مقبولةً حتى لدى قيادة الجبهة، التي فشلت في إيجاد مخارج واقعية لما بعد تنزيل توصيات القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي، الذي جعل الحكم الذاتي حلاً نهائيا لنزاع الصحراء”، مشددا على أن “التراكمات التي حققتها التأييدات الدولية للحكم الذاتي لم تعد تسمح بالرهان على الدول الديكتاتورية الداعمة للطرح الانفصالي في الصحراء المغربية”.

واقع مأزوم

قال جواد القسمي، باحث في العلاقات الدولية والقانون الدولي، إن “زيارة مبعوث جبهة البوليساريو إلى زيمبابوي، في حد ذاتها، لا تمثل حدثا وازنا على المستوى الاستراتيجي، وإنما هي محاولة لتسويق صورة مغايرة لواقع الجبهة المأزوم اليوم أمام ما تعيشه من عزلة وجمود”، مضيفا أن “هذه الزيارة هي رد فعل على الهزائم المتواصلة التي منيت بها الجبهة إفريقيّا ودوليّا، ومحاولة تسويق أن هناك من لا يزال يدعمها على المستوى الإفريقي”.

وتابع القسمي، في تصريح لهسبريس، بأن “الزيارة تأتي بعد أسابيع قليلة من القمة الفرنسية الإفريقية، واستمرار غياب الجبهة عن هذه القمم التي تجمع القارة مع الدول الكبرى، وذلك كما كان الشأن مع روسيا والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث تم إقصاء البوليساريو بشكل كامل، مما يعكس توافقا دوليا وقاريا على أن الجبهة ليست شريكا، بل هي كيان وهمي يعيق مسارات الشراكات”، مبرزا أنه “أمام الطوق المضروب على الجبهة، لم يعد أمامها سوى تكرار زيارات نحو دول لا تزال تعيش أيديولوجيا الحرب الباردة، كزيمبابوي ودول أخرى تُعدّ على رؤوس الأصابع، لالتقاط صور من أجل الإيحاء بأن الجبهة لا تزال موجودة”.

وشدد الباحث ذاته على أن “ما يؤكد استمرار فكر الحرب الباردة هو استعمال بيان الزيارة مصطلحات مثل ‘الكفاح المشترك ضد الاستعمار والميز العنصري’، وهو أمر يجسد انفصالا تاما عن الواقع وما يعيشه العالم من تطور وتحولات؛ فهذه المصطلحات المستعملة لم يعد العالم يعيرها أهمية أمام واقع التنمية والمشاركة السياسية الكثيفة للصحراويين في تدبير شؤونهم تحت سيادة المملكة المغربية”.

وبيّن أن الحديث في إفريقيا ولدى الاتحاد الإفريقي اليوم هو “عن أجندة 2063 ومنطقة التجارة الحرة للقارة، والكل يتحدث لغة التنمية، والأمن الغذائي، والتحول الرقمي والانتقال الطاقي، وهو ما يقدمه المغرب، وليس شعارات تنهل من قاموس عفا عنه الزمن”، مؤكدا أن “المغرب أدرك مبكرا أن محاربة هذا المحور لن تتم بالشعارات المضادة، وإنما عبر الدبلوماسية الاقتصادية والقوة الناعمة؛ فعندما تقارن، مثلا، زيمبابوي بين ما يقدمه لها المغرب من تكنولوجيا زراعية واستثمارات، وبين ما تقدمه البوليساريو من بيانات تضامنية، فإن البراغماتية السياسية ستغلب في النهاية كما حدث مع بعض الدول التي بدأت تغيّر مواقفها”.

وخلص القسمي إلى أن “الكثير من الدول أدركت أن نزاع الصحراء يشكل عائقا أمام تنمية واندماج القارة، وأن ما قدمه المغرب من حكم ذاتي ينسجم مع مقررات مجلس الأمن ويجنب القارة التورط في بلقنة دولها؛ إذ تشتغل المملكة بصوت وشعار تنمية إفريقيا والدفاع عن مصالحها، وتغيير زيمبابوي لموقفها ليس سوى مسألة وقت؛ ذلك أن الجغرافيا الاقتصادية ستنتصر في الأخير على إرث الحرب الباردة”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا