آخر الأخبار

كنوز صخرية بالسمارة.. شواهد ناطقة تلخص تاريخ الصحراء المغربية القديم

شارك

يشكّل إقليم السمارة إقليم السمارة خزّانا تراثيا غنيا ومتنوعا، يضمّ رصيدا مهما من الشواهد المادية التي خلفتها مجموعات بشرية تعاقبت على المنطقة منذ فترات الاستقرار الأولى، تاركة إرثا حضاريا يعكس عمق التاريخ المحلي وتعدد مراحله.

ويُعد الإقليم من بين أبرز مناطق المملكة التي تزخر بمعالم تاريخية ومواقع أثرية ذات قيمة علمية وثقافية كبيرة، لاسيما فن النقوش الصخرية والرسوم الصباغية، التي تُعتبر بمثابة سجلات بصرية لحياة ما قبل التاريخ، ومتاحف طبيعية مفتوحة تحتضن مئات النقوش الممتدة عبر آلاف السنين، من العصر الحجري القديم إلى الفترات اللاحقة.

وتنتشر هذه اللوحات الصخرية على طول الأودية والمنحدرات، ومن أبرز مواقعها موقع العصلي بوكرش الذي يُعد من المواقع المتميزة بما يحتويه من مجموعات فريدة من النقوش المتقنة، إضافة إلى وادي تيغرت و القصابي، وهما منطقتان غنيتان بالواجهات الصخرية التي توثق تفاصيل الحياة اليومية للمجتمعات الرعوية الأولى. كما يُعد محيط حوض الساقية الحمراء من أبرز المجالات الطبيعية التي استقطبت الاستقرار البشري عبر مختلف الحقب.

وتعكس هذه النقوش، المنحوتة على صخور صلبة صمدت أمام عوامل التعرية، بيئة طبيعية مغايرة تمامًا لواقع الصحراء الحالي، حيث تُظهر تنوعًا لافتًا في المواضيع، من بينها الحياة الحيوانية التي تشمل حيوانات برية مثل الفيلة والزرافات والظباء والنعام، إلى جانب الأبقار بأسلوب “تازينا”، ما يشير إلى أن المنطقة كانت في فترات سابقة فضاءً أكثر خضرة يشبه السافانا الرطبة.

كما توثق هذه النقوش مشاهد من الحياة البشرية، من صيد وتنقل ومواكب وطقوس جماعية، تعكس أشكال التنظيم الاجتماعي للقبائل القديمة، إضافة إلى رموز فلكية وكونية تجسد اهتمام الإنسان القديم برصد السماء والأجرام السماوية.

ويُعد تصنيع الأدوات الحجرية من أقدم الشواهد الأثرية في المنطقة، حيث تعود بعض المكتشفات إلى العصر الحجري القديم الأسفل، مع امتداد هذا الإرث عبر العصر الحجري الأوسط وصولًا إلى العصر الحجري الحديث، في تسلسل زمني يعكس تطور الإنسان وأنماط عيشه.

ويُصنّف الفن الصخري في المنطقة إلى نوعين رئيسيين: الرسوم الصباغية التي تعتمد على الألوان والمواد الطبيعية، والنقوش الصخرية التي تعتمد على الحفر والنحت المباشر على سطح الحجر، وهو ما يجعل هذه التعبيرات الفنية من أقدم أشكال الذاكرة الجماعية قبل ظهور الكتابة.

وتبرز أهمية هذا التراث في كونه مصدرا علميا غنيا لفهم الحياة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والثقافية للإنسان القديم، كما يساهم في إعادة بناء ملامح البيئة القديمة وأنماط التفاعل بين الإنسان ومحيطه.

وعلى الصعيد الجهوي، تُعد هذه المواقع جزءا من دينامية ثقافية وسياحية واعدة بجهة جهة العيون الساقية الحمراء، التي تُصنف ضمن أهم المناطق الغنية بالتراث الأثري، خاصة بالنظر إلى احتضانها لحوض الساقية الحمراء وما يزخر به من مواقع نقوش ذات أهمية بارزة في إبيغرافيا شمال إفريقيا.

وقد أفضت عمليات الجرد والتوثيق خلال السنوات الأخيرة إلى اكتشاف مواقع أثرية جديدة وإحصائها، في إطار جهود متواصلة لحماية هذا التراث وتثمينه، رغم أن المنطقة لم تخضع بعد لمسح أثري شامل على غرار مناطق أخرى من المملكة.

وفي هذا السياق، أكد مفتش المعالم والمواقع التاريخية بالمديرية الجهوية للثقافة بالجهة، عبد الإلاه أوغنان، أن إقليم السمارة يُعد من الأقاليم البارزة التي تتوفر على رصيد مهم من المعالم التاريخية، خاصة فن النقوش الصخرية والرسوم الصباغية.

وأوضح أن جهود الجرد والحماية القانونية أسفرت عن تقييد 22 موقعًا للنقوش الصخرية والرسوم الصباغية والمعلمة التاريخية “دار حوزة” ضمن لائحة التراث الوطني، مع إعداد ملفات تقنية لتقييد ستة مواقع إضافية، في أفق تعزيز الحماية القانونية لهذا الرصيد.

كما تم تنفيذ عدد من مشاريع التثمين، شملت إحداث أربع محافظات للمواقع الأثرية، وترميم معلمة دار حوزة، إلى جانب تنظيم أنشطة ثقافية وزيارات بيداغوجية لفائدة التلاميذ والطلبة والباحثين، بهدف التعريف بهذا التراث وضمان استدامته.

من جهته، اعتبر ممثل المركز الوطني للتراث الصخري والمحافظ بالمديرية الإقليمية للثقافة بالسمارة، بيبا محمد مولود، أن هذا الموروث يشكّل جسرًا حيًا يربط بين الماضي والحاضر، ويعكس الهوية الثقافية للمنطقة وخصوصيتها التاريخية.

وأشار إلى أن الإقليم يضم أكثر من 175 موقعًا للنقوش الصخرية و25 موقعًا للرسوم الصباغية، موضحًا أن هذه الشواهد تكشف تحولات عميقة في أنماط عيش الإنسان من الصيد والقنص إلى الرعي والترحال، في سياق تطور حضاري متدرج.

وتتميز النقوش الصخرية، في بعض نماذجها، بأشكال هندسية مبسطة تعتمد الزوايا والخطوط الحادة، مع الحفاظ على الملامح العامة للعناصر المصورة، ما يعكس أساليب تعبيرية مرتبطة ببيئات وظروف معيشية متباينة.

كما تُعد هذه النقوش وثائق أنثروبولوجية وتاريخية بالغة الأهمية، إذ تتيح للباحثين فهم العلاقات بين الإنسان وبيئته، وأنماط التنظيم الاجتماعي والتطور التقني والروحي، في حين تُسهم الرسوم الصباغية في تأريخ أدق للفترات التاريخية بفضل المواد العضوية المستخدمة فيها، ومن أبرز مواقعها موقع الفارسية.

ويُضاف إلى هذا الرصيد الأثري عدد من المدافن الجنائزية السابقة للعصر الإسلامي، التي تشكّل بدورها جزءا مهما من التراث المحلي، وتشهد على الممارسات الجنائزية القديمة التي عرفتها ساكنة الصحراء المغربية، بما يعزز القيمة التاريخية والأنثروبولوجية للإقليم.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا