آخر الأخبار

الصحراء المغربية.. كيف تحول حكم قضائي إسباني إلى حجة ضد أطروحة الانفصال؟

شارك

منذ عقود، ظل النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية مجالا لصراع التأويلات القانونية والتاريخية، حيث سعت مختلف الأطراف إلى توظيف الوثائق والأحكام القضائية والقرارات الدولية لتعزيز مواقفها. غير أن بعض الأحكام التي لم تحظ عند صدورها بالاهتمام الكافي عادت إلى واجهة النقاش مع التحولات التي عرفها الملف على المستوى الأممي والدبلوماسي، وفي مقدمتها الحكم الصادر عن المحكمة العليا الإسبانية سنة 2020 بشأن الوضع القانوني للصحراء خلال فترة الإدارة الاستعمارية.

وتكتسب العودة إلى هذا الحكم أهمية خاصة في ظل تنامي الاعتراف الدولي بمبادرة الحكم الذاتي المغربية وتزايد الدعم الأممي للحلول الواقعية والعملية للنزاع. فبعيدا عن الجدل المرتبط بقضية الجنسية التي شكلت موضوع النزاع القضائي، يثير منطوق القرار أسئلة أعمق حول طبيعة العلاقة التي ربطت إسبانيا بالإقليم، وحول مدى انسجام بعض الأطروحات الانفصالية مع التوصيف القانوني الذي انتهى إليه القضاء الإسباني نفسه، والذي ينسف الزعم بوجود رابطة سيادية بديلة عن الامتداد التاريخي للمغرب في أقاليمه الجنوبية.

حين تدين المستعمرة نفسها

وفي هذا السياق، أكد الخبير في الشأن الصحراوي عبد الوهاب الكاين، أن الحكم الصادر عن الغرفة المدنية بالمحكمة العليا الإسبانية في 29 ماي 2020، تحت رقم 207/2020، يعد منعطفا قضائيا بالغ الأهمية وعنصرا حاسما في تفتيت السردية المتواترة حول أحقية الصحراويين في الجنسية الإسبانية الأصلية، لافتا إلى أن أثر هذا الحكم يمتد ليرسي تأطيرا قانونيا جديدا لطبيعة الوجود الإسباني طوال حقبة الإدارة الكولونيالية.

وأوضح الخبير في تصريح لجريدة “العمق” أن هذا الحكم كشف عن تحول جوهري في المنهج التفسيري للمحكمة العليا الإسبانية، التي انتقلت من التعامل مع الصحراء بوصفها امتدادا إقليميا ملحقا بالتراب الوطني، إلى إعادة توصيفها صراحة بوصفها منطقة نفوذ استعماري خاضعة لمنظومة تشريعية استثنائية، مستندة في ذلك إلى قانون إنهاء الاستعمار لعام 1975 والمرسوم الملكي لعام 1976.

وأضاف المتحدث أن هذا التأطير أفضى إلى قطع الصلة القانونية بين الولادة في الصحراء إبان الإدارة الإسبانية، وبين استحقاق الجنسية الأصلية وفق المادة 17 من القانون المدني الإسباني، إذ قررت المحكمة أن اشتراط الولادة في إسبانيا لا يمتد ليشمل الأقاليم ذات الطابع الاستعماري، وهو ما أسفر عن رفض دعوى امرأة من عديمي الجنسية تدعى “غلوريا”، مولودة في العيون عام 1973، رغم استنادها إلى واقعة ميلادها ومركز والديها القانوني بوصفهما حاملين لوثائق هوية رسمية أصدرتها السلطات الإسبانية.

قطيعة قضائية مع الحنين إلى المستعمر

وسجل المحلل السياسي أن المسار القضائي تبنى موقف الإدارة الإسبانية، مدعوما بتدخل النيابة العامة ومحامي الدولة، والذي أحدث قطيعة مع أي تفسير يروم اعتبار الصحراويين قسرا إسبانيين أصليين، مصنفا تلك الدعوات في إطار “اضطراب الحنين إلى المستعمر”. وتابع أن المحكمة فصلت جذريا بين السيادة الإجرائية والاندماج الإقليمي، معتبرة أن ممارسة إسبانيا لصلاحيات إدارية لم تفض في أي مرحلة إلى استيعاب المنطقة في النسيج الوطني، وأن وصفها بـ “الإقليم الوطني” ينطوي على خلط مفاهيمي.

وأشار الكاين إلى أن المحكمة استلزمت مراجعة نقدية للسوابق القضائية المتناثرة، حيث ميزت بين الأحكام المتعلقة بالصحراء لأغراض بعيدة عن الجنسية الأصلية (كحيازة الجنسية بالتقادم وفق المادة 18 أو مواعيد دعاوى النسب) وبين تفسير مصطلح “إسبانيا” في المادة 17.1.ج، مستخلصة أن السوابق لا تشكل حجة مقنعة لمد نطاق الجنسية.

وأبرز الباحث أن المحكمة العليا أرست مبادئ تفسيرية جوهرية، مقررة أن عملية “الإقليمية” التي أخضع لها إقليم الصحراء عام 1958 لم تكن سوى مناورة إدارية تكتيكية لاستيعاب الضغوط الأممية والمطالبات المغربية الحامية الوطيس، وليست إدماجا في البنية السيادية، مستدلة بالقانون رقم 40/1975 المتعلق بإنهاء الاستعمار كوثيقة تفسيرية كاشفة تقر صراحة بأن الصحراء لم تندرج قط في النسيج الوطني للدولة، ورافضة الاحتجاج بمبدأ الحماية من انعدام الجنسية كذريعة لخلق جنسية أصلية لا سند لها.

تدمير الهوية وتناقضات أطروحة الانفصال

وعبر الخبير عن تذمره الشديد من تشبث تنظيم البوليساريو بقشة الانتماء لإسبانيا سابقا للحصول على الجنسية الأصلية بناء على ماض استعماري لم ينشئ حقوقا للصحراويين ولم يمنحهم حيزا كخلفية ثقافية لإغناء الهوية الإسبانية، مقارنة بالمجموعات البشرية في كتالونيا وإقليم الباسك وبلنسية وجزر الكناري. وطالب بضرورة التفكير فيما يتعرض له صحراويو المخيمات من تدمير لهويتهم ومحو لشخصيتهم القانونية بسبب انتشار حالات انعدام الجنسية، مبرزا أن الحكم يثير إشكاليات جوهرية حول الحق في الجنسية المكرس في المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويضع آلاف الصحراويين في فراغ قانوني متوارث عبر الأجيال.

واستطرد الكاين مبينا أن منطوق الحكم يفكك عن غير قصد الركيزة التي بنى عليها تنظيم البوليساريو صرحه المتمثل في الزعم بوجود مسؤولية إسبانية مستمرة تجاه مواطنين إسبان. وأوضح أن قاطني الصحراء لم يتمتعوا يوما بصفة المواطنة الكاملة بل كانوا خاضعين لإدارة استعمارية، مما يضع البوليساريو في مواجهة تناقض عميق: فلا يستقيم قانونا الاستناد إلى واقع الاستعمار للمطالبة بتقرير المصير، وفي الوقت ذاته محاولة اشتقاق حقوق المواطنة من روابط إدارية استعمارية لا تمنحها إلا حالة الاندماج الإقليمي الكامل.

واعتبر الباحث أن اعتراف القضاء الإسباني بالمركز الاستعماري للصحراء يكتسب أهمية حاسمة عند تقاطعه مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية (16 أكتوبر 1975) الذي قطع بأن الصحراء لم تكن أرضا بلا صاحب إبان الاستعمار، وأعلن ثبوت وجود روابط قانونية وقوامها البيعة بين سلطان المغرب والقبائل الصحراوية. وأضاف أن الانسحاب الإسباني عام 1975 لم ينه سيادة مشروعة لم تكن تملكها مدريد أصلا، بل أزال حاجزا استعماريا طارئا عطل استمرارية العلاقة التاريخية بين الإقليم والدولة المغربية، وهو ما تمت ترجمته إجرائيا عبر اتفاقيات مدريد.

وأبرز الخبير تهادي مرتكزات أطروحة البوليساريو أمام معايير القانون الدولي المعاصر، مؤكدا أن الدفع بالمسؤولية الإسبانية عن التخلي يفتقر للانسجام لكون التزامات الفصل 11 من ميثاق الأمم المتحدة تقع تجاه شعوب الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وليس تجاه أشخاص يطالبون بجنسية الدولة المديرة. وأوضح أن حصر تقرير المصير في صيغة الاستقلال يمثل قراءة قاصرة للممارسة الدولية، وأن الخلط المنهجي بين تقرير المصير والانفصال هو صنيعة سياسية مدعومة جزائريا بقوة لضرب مشروعية السيادة المغربية.

نحو مرجعية أممية جديدة

وسجل المتحدث في تحليله أن صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025 يمثل الأفق المعياري الجديد الذي أعاد بناء المركز القانوني للنزاع، بتقديمه لأول مرة دعما صريحا لمخطط الحكم الذاتي باعتباره الحل الجوهري والأساسي وتكريسه لـ “قاعدة القابلية للتطبيق”. ولفت إلى أن القرار خلا تماما من أي إشارة لآلية الاستفتاء، لينهي حقبة الغموض البناء ويجعل إصرار البوليساريو على خيار الانفصال موقفا خارجا عن السياق المعياري لمجلس الأمن.

وخلص الخبير في الشأن الصحراوي إلى أن إطار الحكم الذاتي ليس مجرد تفضيل سياسي، بل هو المحصلة الأكثر اتساقا مع الحق التاريخي والخلاصات القضائية الدولية ومنطوق المحكمة العليا الإسبانية التي قدمت بتنصلها من صفة الوطنية عن الإقليم توبيخا قانونيا صاعقا لسردية الانفصال. وشدد على أن الأطروحة القاضية بتقرير المصير عبر الانفصال أضحت فاقدة للمصداقية، وأن الاعتراف بالسيادة المغربية والتمكين الحقوقي عبر الحكم الذاتي هما الضمانة الوحيدة للاستقرار الإقليمي بعيدا عن سياسات الإنكار التي تنتج مزيدا من الهشاشة الإنسانية.

عبد الوهاب الكاين, نزاع الصحراء المغربية, المحكمة العليا الإسبانية, مجلس الأمن, جبهة البوليساريو, الحكم الذاتي, القانون الدولي

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا