تختزل الانتخابات التشريعية الجزائرية وتفعيل “المادة 200” من قانون الانتخابات التي أفاضت كأس الجدل مؤخرا، أزمة عميقة ترتبط بتوظيف النصوص القانونية كأداة للفلْتَرة السياسية بِيَدِ نظام العساكر؛ إذ رصد عدد من متتبعي الشأن الجزائري تحولا في هذه المادة “المطّاطة” من شعار “تخليق الحياة العامة ومحاربة المال الفاسد” إلى “سيف” مسلط لإقصاء المعارضين والنواب على حد سواء لضمان هندسة “برلمان على المقاس”.
وبحسب محللين مغاربة استقت هسبريس تعليقاتهم، فإن هذا التوجه يعكس إصرارا من المؤسسة العسكرية الجزائرية على إدارة المشهد خلْفَ “واجهة ديمقراطية” هشة، وتصفية الحسابات بين الأجنحة المتنافرة داخل بنية السلطة، مما يكرس الانغلاق السياسي ويصادر الإرادة الشعبية، مهددا بنفاد صبر الشارع والوصول إلى انفجار سياسي وشيك في ظل أزمات اقتصادية وعزلة دولية خانقة.
خالد شيات، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، انطلق من ضرورة وجود استثناءات وموانع في كافة الأنظمة القانونية الانتخابية عبر العالم، “وذلك لاعتبارات تنظيمية ترتبط بطبيعة وبنية الأشخاص المخوّل لهم دخول غمار الاستحقاقات السياسية”، وقال: “تعد هذه المسألة القانونية أمرا متعارفا عليه وموجودا في جميع الدول الديمقراطية؛ إذ تهدف هذه الموانع غالبا إلى محاربة تأثير الأموال غير المشروعة التي يستعملها بعض الطامحين للترشح، أو لمنع أشخاص قضوا عقوبات سجنية ويُحرمون قانونا من ممارسة حقوقهم السياسية”.
غير أن شيات استدرك في حديثه لهسبريس قائلا: “لكن للأسف الشديد، فإن أنظمة كثيرة-خاصة تلك التي تصنف ضمن أنظمة الواجهة الديمقراطية-تتخذ من هذا الغربال القانوني وسيلة أساسية لتصفية المترشحين وإقصائهم بناء على الأهواء وطبيعة الانتماءات السياسية”، عادّا ذلك “أمرا يتجسد في المشهد الجزائري بطريقة واضحة تماما”.
وبحسبه، فإن النظام السياسي الجزائري “ليس مجرد نظام عسكري فحسب، وإنما ينطوي على أبعاد استخباراتية بامتياز، وبناء على طبيعة التقارير والمعلومات التي تصل إلى سدة الحكم، يتم تحديد وتوجيه مسارات المترشحين بالقبول أو الإقصاء”.
وفي السياق الجزائري الحالي، أكد شيات أن “المسألة لا تقتصر فقط على إقصاء أشخاص معارضين قادرين على الفوز؛ فرغم وجود هذا التوجه، إلا أن الأشخاص الذين يحملون أهدافا وغايات ديمقراطية وانتخابية حقيقية في الساحة هم قلة قليلة، ناهيك عن عدم رغبة الكثير منهم أصلا في خوض غمار انتخابات معروفةِ ومحسومةِ النتائج والتوجهات والمآلات مسبقا”. وزاد متسائلا: “فمَنْ ذا الذي يملك الطموح اليوم في الجزائر للوصول إلى مستوى ممارسة سلطة حقيقية وفاعلة في ظل منتظم سياسي يقوم على هذه الشاكلة العسكرية الاستخباراتية؟”.
بناء على ذلك، خلص خالد شيات إلى أن “العملية ليست مجرد فلترة للمعارضين، بل ترتبط أيضا بمعايير القرب من المنظومة الحاكمة والأكثر ولاء لها”، شارحا أن ذلك “يتجلى بوضوح في طبيعة الأشخاص الذين تم إبعادهم؛ إذ يتبين أنهم في الغالب يقعون ضحية التدافع والصراع بين أجنحة ومجموعات متنافرة داخل البنية السياسية الجزائرية، وبالتالي تُستغل العملية القانونية والانتخابية كأداة لتصفية الحسابات الداخلية، وليس لها أيّ غايات ديمقراطية أو رغبة في إيصال ممثلين حقيقيين للشعب إلى السلطة التشريعية”.
وختم المصرح للجريدة قائلا: “حتى لو نظرنا إلى منظومة السلطة التشريعية نفسها، سنجد أن هذه المؤسسة لم تعد تملك وزنا أو دورا حقيقيا في المنظومة الدستورية والسياسية والقانونية الجزائرية. وحتى هذه الواجهة الصغيرة جدا المتاحة للتعبير أصبحت محجوزة بالكامل لأباطرة النظام الاستخباراتي والعسكري؛ فلا مجال اليوم حتى لوجود بعض الأصوات الخافتة التي قد تمنح الواجهة الديمقراطية ‘صبغة تجميلية’، وهو أمر ترفضه الأطراف المتنفذة التي تُمعن في احتكار سلطة مطلقة لتوجيه المنظومة السياسية برمتها”.
بحسب محمد نشطاوي، أكاديمي في العلاقات الدولية رئيس مركز ابن رشد للدراسات الاستراتيجية وتحليل السياسات، فإن المشهد السياسي في الجزائر، وهي على أبواب الانتخابات النيابية، يمُر بمرحلة أضحى فيها “رهينا بالكامل للمادة 200 من قانون الانتخابات، وهي المادة التي يزعم واضعوها أنها تهدف إلى تخليق الحياة السياسية ومنع استعمال المال الفاسد. غير أن هذه المادة، في واقع الأمر، تظل نصوصا فضفاضة، مطاطة، وغامضة، ويُمكن قراءتها وتأويلها دوما وفقا للموقع والمصلحة والجهة التي يتخندق فيها الطرف الذي يملك سلطة التأويل”.
وأشار نشطاوي إلى “تسبّب هذه المادة في إقصاء عدد كبير من المرشحين، ومنهم من يشغل حاليا منصب نائب برلماني ويرغب في الترشح مجددا، حيث طال الإقصاء كافة الأطياف والمشارب السياسية؛ تحت ذريعة وجود ملفات فساد سياسي ضدهم، أو استنادا إلى تقارير لجان تقصي الحقائق حول وضعياتهم وسلوكياتهم إبان الفترة الولائية الحالية. ونتيجة لذلك، تحولت هذه المادة إلى ما يشبه سيف ديموقليس المسلَّط على رقاب كل القوى السياسية، واتُّخذت كذريعة جاهزة لإقصاء العديد من المرشحين”، بتوصيف المصرح لجريدة هسبريس.
ولم تسلَم من هذه المقصلة حتى الأحزاب السياسية الكبرى، وفق نشطاوي الذي أكد أن “حركة مجتمع السلم، وهي إحدى القوى السياسية الرئيسية والتاريخية في الجزائر، عرفت إقصاء أزيد من 18 نائبا برلمانيا من الانتخابات المقبلة بحجج واهية، رغم أن الحركة كانت تعوّل على هؤلاء الأشخاص وثقلهم الانتخابي من أجل حصد مزيد من المقاعد في البرلمان القادم”.
وشدد على أن “المشهد السياسي الجزائري بات محكوما من جهة بنصوص المادة 200، ومن جهة أخرى بالتأويلات الموجهة التي تُمنح لها؛ فالقائمون على المؤسسة العسكرية يريدون نوابا على المقاس لضمان مزيد من السيطرة والإحكام على الحياة السياسية والنيابية، في دولة يدعي نظامها السعي نحو تغيير عقلية المشرع والحاكم، في حين تكشف ممارساته الفعلية عن استمرارية واضحة لسياسة الانغلاق، ومزيد من الضغط والتنكيل بالشعب الجزائري، ومصادرة حرية الاختيار والترشح والنزاهة الانتخابية”.
وختم نشطاوي، تأسيسا على ما سبق، بأن “الجزائر ما زالت تسير وفق عاداتها القديمة في التعاطي مع الوضع السياسي والحزبي. وهذا الوضع ينبئ بقرب حدوث انفجار سياسي سيعيد تشكيل الحياة العامة في البلاد؛ لا سيما وأن الجزائر تعيش عزلة دولية تامة، وتتخبط في إخفاقات اقتصادية وسياسية وجيو-استراتيجية متلاحقة، في وقت يعاني فيه الشباب من إنهاك ويأس شديدين جراء غياب الآفاق المستقبلية. وفي الوقت الذي كان يُفترض فيه إقرار انفتاح سياسي يستوعب هذه الأزمات، أبت المؤسسة العسكرية إلا أن تستمر في خنق الحياة السياسية ومضاعفة الضغوط عليها”.
المصدر:
هسبريس