على امتداد العقدين الأخيرين، تحولت كأس العالم لكرة القدم إلى واحدة من أكبر الظواهر الاقتصادية والسياسية والإعلامية في العالم، وأصبحت استضافتها هدفا تتنافس عليه الدول ليس فقط من أجل المجد الرياضي، وإنما لما تحمله من وعود تتعلق بتحفيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وخلق فرص العمل، وتعزيز الحضور الدولي للدول المضيفة.
وفي هذا الصدد، كشفت عدد من الدراسات الأكاديمية والتقارير الاقتصادية حول النسخ الأخيرة من المونديال أن المكاسب الاقتصادية ليست مضمونة بالضرورة، وأن حجم العائدات يختلف بشكل كبير تبعا لقدرة كل دولة على تحويل الحدث الرياضي إلى مشروع تنموي طويل الأمد.
وتظهر مراجعة عشرات الدراسات والتقارير الصادرة حول النسخ الخمس الأخيرة من كأس العالم أن الأثر الاقتصادي المباشر للبطولة غالبا ما يكون أقل من التوقعات التي تسبق تنظيمها، بينما تتجلى المكاسب الأكثر استدامة في مجالات البنية التحتية والسياحة والقوة الناعمة وتحسين الصورة الذهنية للدولة على الصعيد الدولي، كما تكشف هذه التجارب أن الدول التي ربطت المونديال برؤية تنموية شاملة كانت الأقدر على تحقيق عوائد طويلة الأمد مقارنة بالدول التي تعاملت معه كحدث رياضي مؤقت.
ومن ألمانيا سنة 2006 إلى قطر سنة 2022، مرورا بجنوب أفريقيا والبرازيل وروسيا، تتباين النتائج الاقتصادية والاجتماعية للمونديال بشكل واضح، ففي حين نجحت بعض الدول في استثمار البطولة لتعزيز مكانتها الدولية وتسريع مشاريعها التنموية، وجدت دول أخرى نفسها أمام أعباء مالية ضخمة ومرافق رياضية مكلفة لم تحقق العوائد المنتظرة.
ألمانيا 2006.. نجاح في القوة الناعمة أكثر من الاقتصاد
تشير الدراسات التي تناولت كأس العالم 2006 إلى أن الأثر الاقتصادي المباشر للبطولة على الاقتصاد الألماني ظل محدودا نسبيا مقارنة بحجم الاقتصاد الألماني نفسه. فقد قدر الأثر الكلي على الناتج المحلي بنحو 3.2 مليارات يورو، أي ما يعادل 0.13 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعا أساسا بإنفاق الزوار والسياح خلال فترة البطولة.
كما سجل الاقتصاد الألماني إنتاجا إضافيا قدره 5.9 مليارات يورو، واستفادت الخزينة العامة من نحو مليار يورو من الإيرادات الضريبية، فيما أسهم الإنفاق المرتبط بالمونديال في خلق نحو 34.8 ألف وظيفة بدوام كامل، خاصة في قطاعات الضيافة والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات.
ورغم هذه الأرقام، خلصت دراسة بعنوان “تأثير كأس العالم ألمانيا 2006 على سوق العمل” إلى أن البطولة لم تحدث أثرا ملموسا على معدلات البطالة في المدن المستضيفة مقارنة بغيرها من المدن، ما دفع عددا من الباحثين إلى اعتبار أن المردود الاقتصادي المباشر كان أقل من التوقعات.
غير أن النجاح الألماني برز في مجال مختلف تماما، يتعلق بالقوة الناعمة وبناء الصورة الوطنية. فقد استثمرت برلين البطولة ضمن إستراتيجية طويلة المدى لتغيير الصورة النمطية عن ألمانيا باعتبارها بلدا صارما ومنغلقا، ونجحت عبر الحملات الإعلامية ومناطق المشجعين المفتوحة التي استقطبت نحو 15 مليون شخص في تقديم صورة جديدة لأمة حديثة ومنفتحة ومضيافة.
ويرى عدد من الباحثين أن ألمانيا خرجت من المونديال بمكسب معنوي واستراتيجي يفوق المكاسب الاقتصادية المباشرة، بعدما عززت جاذبيتها السياحية ورسخت مكانتها الدولية من خلال ما يعرف بسياسة “القوة الناعمة”.
جنوب أفريقيا 2010.. نجاح تنظيمي ومخاوف من “الفيلة البيضاء”
مثلت جنوب أفريقيا أول دولة أفريقية تستضيف كأس العالم، وقد نجحت في تنظيم البطولة بصورة نالت إشادة واسعة، إلا أن النتائج الاقتصادية جاءت أقل من الطموحات التي صاحبت ملف الترشيح.
ففي الوقت الذي كانت التوقعات تتحدث عن استقطاب نحو 380 ألف سائح إضافي، تشير الدراسات إلى أن الزيادة الصافية لم تتجاوز 90 ألف زائر. كما أن معدلات إشغال الفنادق والمرافق السياحية ظلت دون المستويات المتوقعة، وهو ما حد من حجم العائدات المنتظرة.
وسجل الاقتصاد الجنوب أفريقي نموا بلغ 3 في المائة سنة 2010 مقارنة بانكماش بلغ 1.5 في المائة سنة 2009، إلا أن هذا التحسن لم ينعكس بشكل واضح على سوق الشغل، حيث تراجعت نسبة التشغيل بين السكان البالغين من 44 في المائة إلى 41 في المائة خلال عام البطولة.
وتشير تقديرات مختلفة إلى أن تكاليف التنظيم تراوحت بين 3.9 مليارات دولار و8.9 مليارات دولار، وهي أرقام تجاوزت بكثير التقديرات الأولية. كما خصصت مبالغ ضخمة لبناء وتجديد الملاعب والبنية التحتية المرتبطة بالحدث.
وبرزت بعد انتهاء البطولة إشكالية ما يعرف بـ”الفيلة البيضاء”، وهو مصطلح يستخدم لوصف المنشآت الرياضية الضخمة التي تصبح عبئا ماليا بعد انتهاء المنافسات. فقد واجهت عدة ملاعب صعوبات في إيجاد استخدامات مستدامة، وأصبحت تكلف البلديات مبالغ سنوية كبيرة للصيانة والتشغيل.
ورغم هذه التحديات، تؤكد الدراسات أن جنوب أفريقيا حققت مكاسب مهمة على مستوى الصورة الدولية. فقد ساعدت البطولة في تغيير الصورة السائدة عن البلد المرتبطة بالجريمة والتوترات الاجتماعية، وعززت حضوره على الساحة العالمية كوجهة سياحية واستثمارية قادرة على تنظيم حدث عالمي بهذا الحجم.
البرازيل 2014.. بين الآمال الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية
دخلت البرازيل تجربة تنظيم كأس العالم وسط توقعات اقتصادية متفائلة للغاية. فقد توقعت دراسة أعدتها شركة “إرنست آند يونغ” أن تضخ البطولة عشرات المليارات من الدولارات في الاقتصاد وأن تسهم في خلق ملايين فرص العمل.
لكن الواقع جاء مختلفا إلى حد بعيد. فبينما كانت التوقعات تتحدث عن مساهمة قوية في الناتج المحلي، شهد الاقتصاد البرازيلي تباطؤا حادا خلال سنوات المونديال، إذ تراجع النمو من 7.5 في المائة سنة 2010 إلى أقل من 1 في المائة بعد ذلك، قبل أن يدخل الاقتصاد مرحلة انكماش لاحقا.
كما شهدت البلاد احتجاجات واسعة ضد الإنفاق الضخم على الملاعب والبنية التحتية، في وقت كانت قطاعات الصحة والتعليم والخدمات العمومية تواجه تحديات كبيرة. وارتفعت تكلفة التنظيم بشكل متسارع من تقديرات أولية بلغت نحو 2.2 مليار دولار إلى أكثر من 13 مليار دولار.
وأشارت دراسات متعددة إلى أن عددا من المشاريع المبرمجة لم يكتمل، وأن بعض الملاعب واجه لاحقا صعوبات في الاستغلال، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف “الفيلة البيضاء”.
في المقابل، تؤكد تقارير رسمية أن البطولة ساهمت في ضخ مليارات الدولارات داخل الاقتصاد، ووفرت مئات الآلاف من فرص العمل، كما عززت الحضور الدولي للبرازيل ورفعت من حجم التغطية الإعلامية العالمية الموجهة إليها.
غير أن عددا من الباحثين خلصوا إلى أن المكاسب الاقتصادية لم تكن بحجم الإنفاق العمومي الكبير، وأن الأزمة السياسية والاقتصادية التي أعقبت البطولة حدت من قدرة البلاد على استثمار الإرث الذي خلفه المونديال.
روسيا 2018.. استثمار سياسي وقوة ناعمة
جاء تنظيم روسيا لكأس العالم في سياق سياسي معقد تميز بتوتر العلاقات مع الغرب بعد أزمة شبه جزيرة القرم والعقوبات الدولية المفروضة على موسكو.
ورغم ذلك، نجحت روسيا في تنظيم بطولة اعتبرت من بين أفضل نسخ كأس العالم من حيث الجوانب التنظيمية واللوجستية. وتشير تقديرات اللجنة المنظمة إلى أن المونديال أضاف نحو 14.5 مليار دولار للاقتصاد الروسي، أي ما يعادل قرابة 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما وفر مئات آلاف فرص العمل خلال مرحلة الإعداد.
واستفادت روسيا من استثمارات ضخمة في مجالات النقل والسياحة والبنية الرياضية، فيما استقبلت البلاد ملايين الزوار خلال فترة المنافسات.
لكن تقارير اقتصادية مستقلة، من بينها تقارير صادرة عن وكالة موديز ومراكز أبحاث أوروبية، اعتبرت أن الأثر الاقتصادي طويل الأمد سيظل محدودا بالنظر إلى حجم الاقتصاد الروسي الكبير، وإلى الطبيعة المؤقتة للإنفاق المرتبط بالبطولة.
في المقابل، يرى عدد من المحللين أن المكسب الأهم بالنسبة لموسكو تمثل في نجاحها في تقديم صورة مختلفة عن روسيا للعالم، وإظهار قدرتها على تنظيم حدث عالمي رغم التحديات السياسية والعقوبات الدولية. وبذلك تحولت البطولة إلى أداة فعالة من أدوات القوة الناعمة والدبلوماسية الرياضية الروسية.
قطر 2022.. المونديال كرافعة للتنمية والتحول الاقتصادي
تمثل تجربة قطر واحدة من أكثر التجارب تميزا في تاريخ كأس العالم، إذ لم تنظر الدوحة إلى البطولة باعتبارها حدثا رياضيا معزولا، بل ربطتها منذ البداية برؤية قطر الوطنية 2030 وبمشروع أوسع لتنويع الاقتصاد وتحديث البنية التحتية.
وخلال أكثر من عقد من الزمن، نفذت قطر برنامجا استثماريا ضخما قدرت قيمته بما بين 200 و300 مليار دولار، شمل تطوير شبكات النقل والطرق والمترو والمطارات والمرافق السياحية والخدماتية. ولم تتجاوز المبالغ المخصصة مباشرة للملاعب الرياضية نحو 7 مليارات دولار من إجمالي الاستثمارات.
ويشير تقرير لصندوق النقد الدولي إلى أن البطولة أسهمت في دعم النمو غير النفطي وتعزيز جهود التنويع الاقتصادي، فيما بلغت المساهمة قصيرة المدى الناتجة عن إنفاق الزوار وإيرادات البث نحو 1 في المائة من الناتج المحلي، وهي نسبة مماثلة لما سجلته تجارب دول أخرى.
غير أن الأثر الأبرز ظهر بعد البطولة. فقد واصلت قطر تسجيل نمو قوي في القطاع السياحي، حيث ارتفع عدد الزوار من 2.56 مليون سائح في عام 2022 إلى نحو 4 ملايين في 2023، ثم إلى أكثر من 5 ملايين في السنوات اللاحقة.
كما نجحت الدوحة في تجنب ظاهرة “الفيلة البيضاء” التي عانت منها دول أخرى، من خلال تصميم ملاعب قابلة للتفكيك أو تقليص السعة، وربط المنشآت الرياضية بخطط استخدام طويلة الأمد. واستمرت هذه المنشآت في احتضان بطولات قارية ودولية عديدة بعد نهاية المونديال.
وعلى مستوى القوة الناعمة، مثلت البطولة فرصة تاريخية لتقديم الثقافة العربية والإسلامية إلى جمهور عالمي غير مسبوق. فقد تحولت قطر إلى مركز اهتمام إعلامي عالمي طوال سنوات الإعداد والتنظيم، ونجحت في توظيف الحدث لتعزيز حضورها الدولي وترسيخ علامتها الوطنية على الساحة العالمية.
ما الذي تعلمه تجارب المونديال؟
تكشف تجارب ألمانيا وجنوب أفريقيا والبرازيل وروسيا وقطر أن كأس العالم ليس وصفة جاهزة لتحقيق الازدهار الاقتصادي، وأن العائدات المباشرة غالبا ما تكون أقل من الوعود التي تسبق تنظيم البطولة، كما تؤكد الدراسات أن حجم الإنفاق وحده لا يضمن النجاح، بل إن العامل الحاسم يتمثل في قدرة الدولة على دمج الحدث ضمن إستراتيجية تنموية متكاملة.
وتظهر هذه التجارب أن المكاسب الأكثر استدامة ترتبط بتطوير البنية التحتية، وتعزيز السياحة، وتحسين الصورة الدولية، وجذب الاستثمارات، أكثر من ارتباطها بالنمو الاقتصادي قصير الأجل، كما أن نجاح الدول في تجنب ظاهرة “الفيلة البيضاء” وتحويل المنشآت الرياضية إلى أصول منتجة بعد البطولة يبقى أحد أهم المؤشرات على تحقيق إرث حقيقي للمونديال.
ومع اقتراب كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تعود الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: هل تستطيع الاقتصادات الكبرى تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة من بطولة بهذا الحجم؟ أم أن القيمة الحقيقية للمونديال ستظل مرتبطة أساسا بالقوة الناعمة، والتأثير الدولي، وإعادة تشكيل الصورة الذهنية للدول المضيفة؟
المصدر:
العمق