آخر الأخبار

دراسة أمريكية: المغرب أكبر مستفيد استراتيجي من التحولات التجارية الناتجة عن حرب إيران

شارك

كشفت دراسة صادرة عن منصة مركز ستيمسون للأبحاث عن مسار تصاعدي للشراكة الصينية المغربية في مجالات الطاقة الخضراء، حيث ساهم التقاطع بين الطموحات البيئية للرباط والخبرات التكنولوجية المتراكمة لبكين في صياغة تحالف متين يهدف إلى تعزيز المرونة الطاقية للصين وتسريع خطى المملكة نحو إزالة الكربون بشكل فعال ومستدام.

وأوضحت الدارسة أن استمرار الحرب في إيران يضع المرونة العالمية للمبادلات التجارية على المحك، غير أن مشاريع الطاقة المتجددة الصينية في المغرب تحتفظ بقيمتها المستقبلية الإستراتيجية، رغم بقائها محدودة من الناحية الهيكلية فيما يخص تخفيف هشاشة الرباط تجاه اضطرابات إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج.

وأكدت المعطيات الواردة في التقرير أن الشركات الصينية المندمجة في النظام البيئي المحلي المغربي تتمتع بتموقع مثالي يمكنها من الاستفادة القصوى من بروز المغرب كعقدة حاسمة في إعادة توجيه مسارات التجارة العالمية، حيث سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة الصينية في المملكة قفزة نوعية بزيادة فاقت واحدا وستين بالمائة لتصل إلى 513.3 مليار دولار أمريكي خلال سنة 2023، وذلك في استمرار للزخم الذي بدأ حين أصبح المغرب أول دولة إفريقية تنضم إلى مبادرة الحزام والطريق سنة 2017.

وأضافت المصادر ذاتها أن هذا التوسع السريع لم يكن مدفوعا بتمويلات التنمية التقليدية، بل قادته كيانات القطاع الخاص التي سعت إلى مواءمة إستراتيجياتها الخارجية مع الأولويات الوطنية الجديدة لبكين، والتي ترتكز بالأساس على عولمة صناعة الطاقة المتجددة وتوطيد سلسلة القيمة الخضراء، بدءا من استخراج المعادن وصولا إلى التصنيع الدقيق للسيارات الكهربائية والبطاريات.

وتابع المصدر ذاته إبراز جاذبية المغرب كوجهة مفضلة للشركات الصينية الرائدة في مسار الانتقال الأخضر، إذ تحافظ بكين على حصص استثمارية كبرى في البنية التحتية للطاقات المتجددة بالمملكة، بما يشمل محطة نور للطاقة الشمسية في مدينة ورزازات التي تصنف كأكبر محطة للطاقة الشمسية المركزة على الصعيد العالمي، إلى جانب إقامة مصنع متخصص في شفرات توربينات الرياح بمدينة الناظور لتغطية الطلب المحلي وتوجيه الفائض نحو الأسواق التصديرية.

وأشارت الوثيقة إلى الدور المحوري الذي لعبته الاحتياطيات المغربية الضخمة من الفوسفاط، باعتبارها مكونا حاسما في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية، في تسهيل استقطاب الشركات الصينية، مدعومة بالنظام البيئي المتكامل لصناعة السيارات الذي تتزعمه شركات عملاقة مثل ستيلانتيس في مدينة القنيطرة ورينو في مدينة طنجة، فضلا عن البنية اللوجستية المتطورة التي تربط المصانع بميناء طنجة المتوسط عبر خط القطار فائق السرعة البراق وشبكات التصدير الموجهة نحو السوق الأوروبية.

وبين التقرير أن الإطار السياسي التحفيزي الذي وضعته الرباط ساهم بقوة في خلق تآزر فعال بين الوكالات الحكومية والفاعلين الأجانب، حيث منح مشروع القانون رقم 40-19 لسنة 2020 السلطات المحلية استقلالية غير مسبوقة في التخطيط للمشاريع المتجددة، فيما عزز ميثاق الاستثمار لسنة 2022 جاذبية المملكة عبر تقديم منح استثمارية ترابية محفزة للمستثمرين الدوليين.

وأفردت التحليلات حيزا لمدينة طنجة تيك، وهي منطقة صناعية حرة تم تطويرها بشراكة بين الحكومة المغربية والشركة الصينية للاتصالات والبناء المملوكة للدولة، حيث برزت كوجهة مفضلة للشركات الصينية، ونجحت في تأمين استثمارات ضخمة من منتجي البطاريات مثل شركتي بي تي آر وشينزوم، إلى جانب فاعلين آخرين في مجال تصنيع مكونات السيارات الكهربائية.

وسجلت القراءات الجيوسياسية المضمنة في التقرير أن نقل أجزاء من القدرة الإنتاجية للسيارات الكهربائية الصينية إلى المغرب يمثل مسارا إستراتيجيا محتملا للالتفاف على القيود التجارية المتزايدة من لدن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، مستفيدة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تربط الرباط بهذه الأسواق، مع الإشارة إلى أن مجرد زيادة الإنتاج لا تترجم تلقائيا إلى خلق قيمة محلية، مما يفرض ضرورة إدراج شروط التوريد المحلي في جولات التفاوض لضمان نقل التكنولوجيا.

وأبرزت الإحصائيات الميدانية الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية لسنة 2022 استمرار التبعية الطاقية للمغرب، حيث تعتمد البلاد بنسبة تسعين بالمائة على واردات الفحم والنفط والغاز لتلبية احتياجاتها الأساسية، فرغم بلوغ حصة مصادر الطاقة المتجددة 17 بالمائة من إجمالي إنتاج الكهرباء، إلا أنها لم تمثل سوى 8.17 بالمائة من الاستهلاك النهائي، مما يكشف عن فجوة واضحة بين مستويات الإنتاج ومعدلات الاستهلاك الفعلي.

وأظهرت المخرجات البحثية أن تكلفة الكهرباء تظل باهظة في مناطق مثل ورزازات، بالرغم من قدرة محطة نور الشمسية الضخمة على توليد طاقة تكفي لتزويد أكثر من مليون منزل، ويعزى هذا التناقض إلى تقادم شبكات التوزيع المصممة أصلا لنقل الطاقة الأحفورية، والتي تحد بشكل كبير من إمكانية نقل الطاقة الشمسية النظيفة إلى المجتمعات المحلية المستهدفة.

وأردفت الدراسة في تقييمها لتداعيات حرب إيران على هذا المشهد، أن هذه القيود الهيكلية تفاقم من هشاشة قطاع الطاقة في المغرب في ظل الارتفاع المطرد لتكاليف النفط وتدهور الأرصدة المالية، وهو ما سينعكس أيضا على الإستراتيجية الخضراء الصينية التي قد تتباطأ مشاريعها تبعا لمدة الصراع والقدرة على تحمل التكاليف طويلة الأمد الممتدة من منطقة الخليج وصولا إلى دول شمال إفريقيا.

واستطردت الخلاصات لتؤكد أن الحوافز التي تدفع بكين لتعميق تعاونها الأخضر مع الرباط خلال فترة الحرب لا تمثل تخليا عن مشاريعها ومصالحها في الخليج، بل تجسد توجها نحو ترسيخ شراكة متنامية وسط شبكة واسعة من الاستثمارات الإستراتيجية الإقليمية لتنويع مصادر الطاقة، مما يجعل المغرب بمثابة عقدة تكميلية ضمن إستراتيجية صينية شاملة تهدف إلى تنويع المخاطر وتعزيز القدرة على الصمود.

ورصدت المتغيرات الدولية المرتبطة بالأزمة الحالية تسارعا ملحوظا في وتيرة تحويل مسارات التجارة البحرية نحو طريق رأس الرجاء الصالح، الذي بات يعتبر خيارا أكثر أمانا مقارنة بمضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو الوضع الذي منح ميناء طنجة المتوسط أفضلية استثنائية كأحد الموانئ الإفريقية القلائل المؤهلة لاستغلال هذه الفرصة بفضل طاقته الاستيعابية الهائلة لعمليات الحاويات وارتباطاته القوية بالمناطق الداخلية.

وخلصت التقييمات النهائية إلى أن هذا الميناء، إلى جانب مدينة طنجة تيك التي تعتبر من المشاريع الرائدة ضمن مبادرة الحزام والطريق، يوفران أصولا إستراتيجية تمكن بكين من الحفاظ على انسيابية سلاسل التوريد الخاصة بها وسط تقلبات الممرات التجارية التقليدية، مما يمنح شركات التكنولوجيا الخضراء الصينية المندمجة في هذا النظام البيئي موقعا فريدا لجني أرباح الصعود المطرد للمغرب في مجال الربط الإقليمي والعالمي.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا