أظهر تقييم حديث أصدرته مجموعة البنك الدولي أن تجربة “المدارس الرائدة” في المغرب باتت تشكل “نموذجا واعدا ومنعطفا حاسما” في مسار إصلاح المنظومة التعليمية الوطنية، ومعالجة “تحديات التعلم المزمنة” التي واجهتها البلاد لعقود.
وأكدت المؤسسة المالية الدولية ذاتها أن “التناغم والمواءمة بين الرؤية الوطنية الواضحة والممارسات التربوية المبنية على الشواهد داخل الفصول، مع تقديم الدعم المستمر للأساتذة وتوفير الموارد الكافية، تُثبت برهنةَ المغرب على أن تحقيق قفزات جوهرية وتحسينات جذرية في منظومة التعلّم يُعد أمرا ممكنا وقابلا للتطبيق على أرض الواقع”، بتعبيرها.
وتأتي هذه المبادرة، التي جرى إطلاقها في عام 2023، كركيزة محورية ضمن خارطة الطريق الإستراتيجية لإصلاح منظومة التعليم للفترة 2022–2026، حيث تضع مخرجات التعلم والإنصاف في صدارة الأولويات الوطنية و”تسعى بشكل حثيث إلى خفض معدلات الهدر المدرسي بنسبة الثلث على الأقل”؛ من خلال إحداث نقلة نوعية وجذرية في مكتسبات التعليم الابتدائي الأساسية وتطوير بيئة التعلم.
ألقى البنك الدولي، في تقييمه الذي اطلعت عليه هسبريس، أضواء كاشفة على “الوتيرة المتسارعة وغير المسبوقة” التي شهدها البرنامج في التوسع على الصعيد الوطني بين مرحلته التجريبية خلال الموسم الدراسي 2023-2024 والعام الدراسي 2025-2026؛ مبرزا قفزة عدد المؤسسات التعليمية المنخرطة في هذا المسار من 626 مدرسة ابتدائية عمومية إلى 4626 مدرسة، “ليغطي البرنامج بذلك نحو 54 في المائة من إجمالي شبكة المدارس الابتدائية العمومية” في المملكة.
وحسب المؤسسة الاقتصادية الدولية التي تساند وتواكب هذا البرنامج الحكومي، فإن “هذا التوسع الهيكلي ينعكس مباشرة على قاعدة المستفيدين”. ويضم البرنامج، اليوم، أكثر من مليونيْ تلميذ وتلميذة، يواكبهم ويشرف على تعليمهم طاقم تربوي ضخم يتألف من نحو 75 ألف مدرِّس ومُدرِّسة، مدعومين بجهود 960 مفتشا تربويا يتولّون مهام التأطير والمراقبة لضمان جودة الأداء.
ونوه البنك الدولي بشمول مدارس الريادة المغربية للسلك الإعدادي عبر “مرحلة تجريبية لبرنامج الإعداديات الرائدة” انطلقت في العام الدراسي 2024-2025، لتشمل حاليا 786 مؤسسة إعدادية تضم نحو 678 ألف متعلم ومتعلِّمة، لاسيما في المناطق ذات المؤشرات المرتفعة في الهدر المدرسي.
تكتسب هذه التجربة “أهمية مضاعفة”؛ بالنظر إلى حجم التحدي التعليمي السابق في المغرب، حيث كانت الإحصاءات تشير في عام 2023 إلى أن نحو 60 في المائة من الأطفال في سن 10 سنوات يواجهون صعوبة في قراءة نص بسيط وفهمه؛ مما استدعى “تدخلا علاجيا عاجلا تمثل في اعتماد مقاربات تربوية حديثة ومبنية على الأدلة والشواهد، وفي مقدمتها مقاربة التدريس وفق المستوى المناسب (TaRL)، وتخصيص شهر شتنبر بالكامل للدعم التربوي “التعويضي” في المواد الأساسية، تليها حصص مواكبة مستمرة طوال السنة، بالإضافة إلى دمج آليات الدعم الاجتماعي والوجدانى لضمان رفاهية التلاميذ.
وجدد البنك الدولي تأكيده مساندةَ هذه الإصلاحات الهيكلية ببرنامج تمويلي ضخم بقيمة 750 مليون دولار، انطلق في عام 2019 وحصل على تمويل إضافي في عام 2023، ويركز على “دعم حكامة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وتأهيل هيئة التدريس عبر مسارات جديدة للتوظيف والتدريب”.
واعتبرت المؤسسة المالية الدولية عينها، ضمن خلاصاتها، أن “هذه المنظومة المتكاملة أثمرت نتائج مبكرة وملموسة، حيث “تفوّق تلاميذ المدارس الرائدة على 82 في المائة من أقرانهم في المدارس التقليدية المماثلة بعد عام واحد فقط من بدء التنفيذ”.
تتوج هذه الجهود المشتركة برؤية إستراتيجية واضحة تهدف في جوهرها، حسب المصدر عينه، إلى “بناء نظام تعليمي منصف ومرن، حيث تعكس مبادرة المدارس الرائدة التزام المغرب الراسخ بتوفير “التعلم الأساسي كحق مكفول للجميع دون استثناء”.
كما ترمي بصفة مباشرة إلى “تقليص الفوارق الصارخة في مخرجات التعليم المرتبطة بالمجال الجغرافي أو الخلفية الاجتماعية والاقتصادية أو موقع المؤسسة التعليمية”، مع “الحرص التام على ضمان توفير الدعم اللازم لكل تلميذ وتلميذة حسب احتياجاته الخاصة”.
ومع التوسع المتواصل الذي تشهده المملكة في تعميم التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الأولي، “سيكون الأطفال أكثر استعدادا ونضجا معرفيا عند التحاقهم بالمرحلة الابتدائية؛ ما يسهم بشكل مباشر، إلى جانب إصلاح المدارس الرائدة، في تحقيق نتائج تعلم أقوى وإحداث تحسينات مستدامة طويلة الأمد في مهاراتهم وقدراتهم الأساسية”.
المصدر:
هسبريس