آخر الأخبار

الدخول إلى سوق الحولي هو دخول إلى مغرب القرون الماضية! .

شارك

حميد زيد – كود//

كل شيء في سوق الحولي يحيل على الماضي.

السحنات.

الهندام.

الغبار. النقع. الصهد.

اللغة المستعملة.

وليس أي ماض. بل ماضي المغرب البعيد.

بل القرون التي خلت.

وتكون في عصر. وفجأة تجد نفسك في عصر آخر.

وتخرج من حقبة. ودون أن تدري. تدخل إلى حقبة أخرى.

وكل المغرب الذي لم يعد موجودا.

بوجوهه.

و بلكناته. وبفقره. و بتخلفه. تجده في الرحبة.

وفي هذه الأسواق التي يباع ويشترى فيها خروف العيد.

وفي دقيقة واحدة.

ومسافة الطريق.

يمكنك الانتقال من مغرب القرن الواحد والعشرين. والبنية التحتية. والمولات. و البرج. والعشب الأخضر.

إلى مغرب القرون الوسطى.

مغرب قاحل.

و جاف.

وكل الوجوه فيه مكفهرة.

كما يمكنك الانتقال من المدينة إلى القرية دون أن تبرح مكانك.

في ما يشبه معجزة.

حيث البوادي حاضرة بقوة في كل المدن.

وحيث يكشف عيد الأضحى حقيقة المدن. وفي أول اختبار. تفضح المدينة المغربية نفسها.

وتظهر باعتبارها قرية كبيرة.

وليست أي قرية.

بل مثل قرية تنتمي إلى أحلك فترات تاريخ المغرب.

وتكمن معجزة هذا العيد في كونه يسافر بنا عبر الأزمنة.

ومن يحن إلى المغرب القديم.

وإلى حياة أجداده.

وإلى عاداتهم. وتقاليدهم. وتعاملاتهم التجارية.

فليفتش في الأسواق عن خروف.

و ليتمتع بالقرن التاسع عشر. وما قبله.

وفي يوم واحد. وأنت في عام 2026. يمكنك التفرج في الطريقة التي كان يتشاجر بها المغاربة القدامى.

كما يمكنك أن تعيش تجربة تدافع منقرضة.

وتجرب عراكا تاريخيا وأصيلا بين المواطنين. قبل أن تظهر كلمة مواطن.

وترى بؤسا معتقا.

وترى فقرا.

وترى غنى فاحشا.

وترى عيونا فارغة.

وقد تصادف في السوق شخصا بنظارات سوداء.

وقد ترى شاحنة محملة بالخرفان.

وقد ترى سراويل وقمصانا.

وقد ترى آلات بعجلات.

وقد ترى السيدة القايدة. ورجال الدرك. والمقدم.

وقد ترى السلطة بزيها العصري.

في ما يمكن تفسيره بتداخل الأزمة.

أما هذا الصهد.

أما هذا الغبار.

أما هؤلاء المغاربة الذين يتسلقون الشاحنات

ويدفعون بعضهم البعض

ويصرخون

أما هذا الغضب

أما هذا الهم البادي على الوجوه

أما هذا الغضب المكتوم

فإنه ينتمي إلى زمن آخر

وإلى مغرب قديم و لم يعد موجودا

لكنه يأتي

يأتي مرة في السنة

يأتي مع العيد

ومع الخرفان

حاملا معه كل تاريخ المغرب

وكل الفترات العصيبة التي مرت على الناس

وكل السلوكات

وكل العادات

وكل الرغبات

وكل الطقوس

و مباشرة بعد النحر

يجمع ذلك المغرب القديم أغراضه

ويشرع في الانسحاب تدريجيا من المغرب الحالي

ثم يعود بعد سنة

وكلما كان غلاء

وكلما ارتفع ثمن الخروف

كان ذلك المغرب القديم حاضرا بقوة

وبارزا

وواضحا

و عنيفا

وكلما تراجعت الأثمنة

يخف حضوره

ولا يأتي حاملا معه كل الماضي

وكل تاريخ المغربي

وكل دواخله

وكل الدم القديم

وكل اللحم.

وهكذا إلى ما لا نهاية

في عود أدبي

وبينما نحن ننظر إلى المستقبل

يزورنا الماضي

مثل ضيف ثقيل

لا يريد أن يغادر الحاضر المغربي.

كود المصدر: كود
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا