حميد زيد ـ كود//
يتعذب نزار بركة كثيرا وهو يحاول الاقتراب من الناس.
ومن الشعب.
ثم وهو يصرخ أمامهم.
ويحاول أن يؤثر فيهم. ويقنعهم بخطابه.
تشعر به أنه يلعب دورا ليس دوره.
وأنه مضطر.
تشعر به يبذل مجهودا يفوق طاقته.
ويلعب لعبة لا يتقنها.
تشعر أن الصوت ليس صوته.
تشعر أنه يعيش في عالم هادئ.
بعيد جدا عن الناس الذين يحاول اليوم أن يقنعهم.
وفي وسط لا يصيح فيه أحد.
وفي بيئة كل ما فيها أنيق. والحركات فيها محسوبة.
ولا أوساخ فيها.
ولا أحد فيه يقول لك اللهم بارك.
ولا أحد يقول لي عندو يعيد ولي ما عندوش يعيد.
وأي حركة زائدة في تلك البيئة قد تجعل صاحبها متهما بعدم اللياقة.
وبانعدام الذوق.
ولذلك كان الأمين العام لحزب الاستقلال على غير طبيعته.
كان يحاول جاهدا أن يكون شعبيا.
كان في محنة حقيقية.
كان يلعب دورا ليس دوره.
ليرضي الناس.
وليقنعهم بأن يصوتوا له.
بينما كان نزار بركة في حل من كل هذا.
ولم يكن صراحة مضطرا إلى أن يظهر بهذا الشكل.
فمن يكون هذا الشعب.
من يكون هذا الناخب.
وهذا المصوت.
وهذا المواطن.
حتى يضطر رجل أنيق مثل نزار بركة.
إلى أن يخضع له.
ويغير من نبرة صوته. ويتظاهر بالانفعال. كي يستميله.
كان من مصلحة نزار بركة أن يبقى على سجيته.
وألا يتظاهر بالغضب.
فالغضب لا يليق باستقلالي من آل الفاسي.
الغضب يفسده.
الغضب ينزل به إلى الحضيض.
وإلى الطبقات السفلى.
والصياح ليس من اللياقة في شيء.
بينما لم يكن في حاجة إلى ذلك.
ولماذا كل هذا.
لماذا يصرخ رجل محترم.
وأنيق.
وجنتلمان.
لماذا يبح صوته.
أمن أجل الانتخابات.
أمن أجل الأصوات.
أمن أجل الحصول على الأغلبية. ثم رئاسة الحكومة.
كل هذه الأشياء لا تستحق أن يفقد بسببها المرء هويته الحقيقية.
وأناقته.
وهدوءه.
وصوته.
كل هذه الأشياء لا تعوض أن يخسر نزار بركة هالته.
ومكانته.
ويتصرف مثل حميد شباط.
ومثل أي رجل سياسي جاء من الهامش.
ومن القاع.
ومثل أي رجل سياسة لا تجري في عروقه دماء زرقاء.
وقد كان بإمكان نزار بركة أن لا يتعذب كل هذا العذاب.
كان بإمكانه أن يخاطب الشعب بهدوء.
ودون انفعال.
فالشعب بطبعه متوتر ويحتاج إلى أن من يهدئ من روعه.
وإلى من يمنحه الثقة.
والأمل.
لكن الطريقة التي كان يصرخ بها الأمين العام لحزب الاستقلال.
واللحظات التي كان يفقد فيها صوته.
ويختنق.
كانت تخلق لدى الناس المستمعين إليه جوا من
اللا طمأنينة.
ومن الشك.
ومن غياب الثقة في المستقل.
ومن الخوف على مصير النخبة.
وأي متتبع لتاريخ حزب الاستقلال يعرف أنه حزب وطني
لا يصرخ.
ولا ينفعل.
وفي المرات القليلة التي حاول فيها آل الفاسي الصراخ.
فإنهم أسّسوا تيارا يحمل اسم “بلا هوادة”.
ورغم عنف الاسم.
ورغم الشعار.
فقد كان متزعم التيار السيد عبد الواحد الفاسي يتكلم بهدوء.
وبالكاد كان حميد شباط يسمع صوته.
وكذلك كان حال السيد عباس الفاسي
الذي كان يمارس السياسة همسا.
وكان ناجحا في ذلك.
ومحققا لنتائج جيدة في الانتخابات.
أما هذا الصياح
وهذا الجهد المبذول من أجل الاقتراب من الناس
والتأثير عليهم
ففيه تحريف لأدبيات الحزب
وثورة على فكر الاستقلال المحافظ والأصيل
الذي ظل دائما في الصدارة
هادئا
مشتغلا بصمت
تاركا
الأصوات الضاجة والزعيق الإيديولوجي الذي لا فائدة منه
لخصومه السياسيين.
قبل أن يختلط الحابل بالنابل
وتتغير العادات والتقاليد
وتبح حنجرة الأمين العام لحزب الاستقلال
في مشهد غريب
ومثير
ومضحك في الآن نفسه
لا أحد يتوقع كيف ستكون تبعاته
على النتائج النهائية للانتخابات القادمة.
المصدر:
كود