مع كل اقتراب للاستحقاقات الانتخابية، يتجدد النقاش حول المشاركة السياسية للشباب، سواء بالتوجه إلى صناديق الاقتراع، أو بالانخراط سياسيا عبر الترشح من داخل التنظيمات الحزبية أو بشكل مستقل.
في هذه السنة، يتزامن الجدل مع مصادقة الحكومة على مشروع المرسوم رقم 2.26.311 القاضي بتحديد شروط وكيفيات صرف الدعم المالي العمومي لفائدة لوائح الترشيح المقدمة برسم الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب، الذي يهدف، حسب بلاغ سابق للوزارة المنتدبة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان، إلى “تحديد شروط وكيفيات صرف الدعم المالي العمومي لفائدة لوائح الترشيح المقدمة برسم الانتخابات العامة لانتخاب أعضاء مجلس النواب من لدن مترشحات ومترشحين لا تزيد أعمارهم عن خمس وثلاثين (35) سنة، برسم الدوائر الانتخابية المحلية أو الدوائر الانتخابية الجهوية، سواء كانوا بدون انتماء حزبي أو منتمين حزبيا”.
في خضم النقاش الدائر حول دعم ترشح الشباب المستقل، استمعت هسبريس لمحمد (اسم مستعار)، الشاب الذي قرر الانفصال عن الأحزاب السياسية واختيار طريق الترشح المستقل كخيار عملي للتغيير بالنسبة إليه.
قبل أن يخوض هذه الخطوة، كانت له تجربة انتماء حزبي؛ إذ كان مقرّبا من أحد لوائح الترشيح، لكن مع اقتراب اللحظة الحاسمة، قرر تقديم استقالته والابتعاد عن الانتماء الذي لم يعد يلبي طموحاته.
شرح محمد وهو يتحدث بثقة وحماس: “قبل أن تأتيني فكرة الترشح خارج الأحزاب السياسية، كنت سأتواجد في إحدى لوائح الترشيح بترتيب جيد، لكني استقللت وابتعدت لأنني شعرت بأن الصراعات داخل الأحزاب ‘خاوية’ ولا تهتم سوى بالمصالح الضيقة. حين أتيحت لي فرصة دعم الشباب غير المنتمين، شجعتني الساكنة على اتخاذ القرار بأن أكون وكيل لائحة بشكل مستقل، خاصة وأنني شاب مثقف حاصل على شهادة ماجستير”.
وأضاف محمد في تصريح لهسبريس: “اليوم، الشباب عندهم أفكار قابلة للتنزيل على أرض الواقع، ومتوقع تغير نظرة الشباب للسياسة بعد دعم ترشحهم”. وأردف قائلا: “لا يمكن فقط الاهتمام بالبنيات التحتية، فإهمال العامل البشري سيؤدي إلى خراب لا محالة، خاصة في هذه الظرفية التي انزاح فيها الشباب تحت شبح الإدمان”.
وأكد: “عندنا مشاريع وأفكار سهلة التنفيذ، تحتاج فقط إلى آذان صاغية ومنصب قرار. وبحكم تجربتي في العمل، دعمتني الساكنة من مختلف الفئات العمرية، وسأسعى لأن أكون عند حسن ظنهم”.
وذكر المتحدث ذاته أن اختيار الترشح المستقل هو رد فعل على ضعف الأداء الحزبي، معربا عن أمله في تقديم نموذج إيجابي لشباب قادر على الدفاع عن أفكاره بطريقة حضارية بعيدا عما وصفه بـ “النفاق السياسي” الذي شهده سابقا.
لكن ليس كل الشباب يشارك محمد تفاؤله بهذا المسار. صهيب، شاب آخر يرغب في الترشح بشكل مستقل، أبدى وجهة نظر أكثر حذرا ونقدا، قائلا: “أرى أن قرار دعم ترشح الشباب المستقل غير سديد، لأن هناك آليات أخرى كانت أكثر نجاعة في إشراك الشباب مثل الكوطا الخاصة التي اعتمدت سابقا”.
وشرح المعني بالأمر تحديات التمويل التي تواجه المستقلين بالقول: “مهما كان مقدار الدعم، فلن يكفي الشاب المستقل لتمويل حملته الانتخابية، خصوصا أمام ‘وحوش سياسية’ لديها موارد ضخمة وقواعد جماهيرية واسعة”.
وتطرق الشاب ذاته إلى العقبة الكبرى المتمثلة في التزكية الحزبية التي لا تُمنح بسهولة للشباب الجدد المنضمين للأحزاب، و”السبب الأول لعدم انضمامي لأي حزب هو غموض التزكية”، متسائلا: “هل يمكن للحزب أن يمنحني التزكية وأنا شاب جديد على حساب مناضليه ومموليه؟”.
مع ذلك، أكد صهيب أنه ليس ضد الانتماء الحزبي، لكنه يفضل التريث حتى يجد حزبا يعبّر عن أفكاره، مصرحا: “لست ضد التحزب، لكن لم أجد حزبا يلائم توجهاتي حتى الآن، وهذا ما دفعني إلى التفكير في الترشح المستقل في الانتخابات المقبلة”.
في ظل فقدان العديد من الشباب الثقة في التنظيمات الحزبية، يبرز شباب مقتنعون بأن العمل السياسي وجب أن يتم من داخل المؤسسات.
يسرى النخيلي، شابة منتمية للشبيبة الحركية، أوضحت أنه بالرغم من فقدان الثقة في العمل الحزب والسياسي لدى جزء من الشباب، إلا أن الحل بالنسبة إليها لا يكمن في الانسحاب، بل في المشاركة ومحاولة التغيير من الداخل، مبرزة أن الفراغ لن يزيد الهوة بين الشباب والمؤسسات إلا تعميقا.
وقالت يسرى في تصريح لهسبريس إن اختيارها الانتماء لشبيبة حزب “السنبلة”، نابع كون السياسة بالنسبة إليها لا تقتصر على كونها مجرد انتخابات أو شعارات، بل مسؤولية ومساهمة في خلق النقاش العمومي والدفاع عن قضايا المواطن.
وأضافت: “نحن كشباب داخل الشبيبة الحركية نرى أن تجديد النخب وإعطاء الفرصة للكفاءات الشابة أصبح ضرورة، خصوصا في هذه المرحلة. والأهم بالنسبة إلينا هو أن تكون الترشيحات مبنية على الكفاءة، القرب من المواطن، والقدرة على الترافع الحقيقي على قضاياه، وليس فقط على الحسابات الضيقة”.
وتابعت: “حتى من موقعنا في المعارضة، نعتبر أن المعارضة الجادة ليست عرقلة، بل قوة اقتراح ومساءلة مسؤولة، وهذا هو الدور الحقيقي الذي يجب على الشباب اليوم أن يساهموا فيه: معارضة بناءة، خطاب مسؤول، وحضور ميداني قريب من المواطنين”.
بدوره، يرى زين الدين الجاحظ، شاب منخرط في الشبيبة الاشتراكية، أن عزوف الشباب عن المشاركة السياسية ناتج عن مجموعة من المشاكل، من قبيل عدم إحساس الشاب بأن صوته مسموع، موردا أن “بعض الأحزاب هي التي ترسخ هذه الفكرة من خلال استقطاب الشباب بمقابل مادي-مثلا-أو فقط اقتصار بعض الشباب على تنظيم وملء المقاعد في غياب للتكوين السياسي”.
وأضاف الجاحظ في تصريح لهسبريس أن الشباب المنتمي للأحزاب يعاني من مجموعة من الإكراهات، أهمها منطق “المكافأة السياسية”؛ بحيث إن الفرص تمنح غالبا للوجوه القديمة بحكم علاقاتها، في حين لا تمنح الفرصة لباقي الشباب إلا بعد محاولات عديدة وأحيانا لا تمنح الفرصة أبدا. وجدد التأكيد على أن فرض جيل جديد داخل المؤسسات المنتخبة يقتضي الاستمرار.
وقال: “ما دفعني إلى الانخراط في الشبيبة الاشتراكية هو رغبتي في فهم السياسة؛ فالتغيير لا يمكنه أن يأتي إلا من داخل الأحزاب”.
ودعا زين الدين الجاحظ القيادات الحزبية إلى إعطاء مكانة حقيقية للشباب داخل الأحزاب، وليس فقط “توظيفهم في الخطابات السياسية وملء الكراسي في الندوات والمناسبات”.
بين شباب اختاروا الترشح من خارج الأحزاب، وآخرين تشبثوا بالثقة في التنظيمات الحزبية، يترقب الرأي العام المغربي عن كثب تطور نسبة المشاركة العامة في الانتخابات المقبلة، خاصة بعد إعلان وزارة الداخلية عن فترة استثنائية من أجل إيداع طلبات القيد من طرف الأشخاص غير المقيدين في اللوائح الانتخابية والبالغين من العمر 18 سنة فأكثر، وذلك ابتداء من 15 ماي الجاري إلى غاية 13 يونيو المقبل.
المصدر:
هسبريس