كرّم المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، خلال دورته الحادية والثلاثين، نجاة المريني، الأكاديمية والمحققة المتخصصة في الأدب المغربي القديم.
وخلال الموعد التكريمي، استحضرت نجاة المريني مراحل قطعتها في حياتها الجامعية والعلمية بمعاناة وصبر وكد، مردفة: “هو عمل لذيذ ومنعش رغم الإرهاق، وأحيا في الكثير من المحبة لهؤلاء الذين أهملوا، فيجب ألا ننظر إلى الأدب الجديد وعطاءات الخارج فقط، رغم أهميتهما”.
وتابعت الجامعيّة: “اخترت مجال العمل الجامعي ومجال التحقيق ورغم أني عشت فيه ظروفا صعبة، وكثيرا من العقبات والمشاكل، سبقتها مشاكل أخرى لما اشتغلت في مجال التفتيش، ونتحدث عن المستوى الذي صار من الهزال لما نأسف له باستمرار (…) وما جعلني أنسحب من مجال التعليم هو اللامبالاة مع الوزارة الوصية، التي تقول لك: “لا بأس لا بأس”. وهذه ‘اللا بأس’ هي أم المشاكل، التي تجعلنا نعيش اليوم المشاكل في الحياة التعليمية والتربوية”.
وواصلت: “ذهبت إلى مجالس العلم التي لم تكن ميسرة ولا سهلة، ولا ممهَّدة للباحث كيفما كان. واخترت العمل في الأدب المغربي القديم، من اهتمامي ببلدنا العزيز، وما كنا نشعر به من أننا أقل من المشرق، ورغم عطائه وتميزه، كان لا بد من الاهتمام بالمغاربة (…) وإعلاء شأن الكتابة المغربية. ففي دراستنا الثانوية قديما وحديثا كانت النصوص مشرقية، وهذا ما دعاني إلى الاهتمام بالأدب المغربي والشعب المغربي، ووجدت عددا من الأساتذة ممن اتصلت بهم، كانوا لا يرون بأسا فيه”.
واستحضرت الأكاديمية والمحققة المتخصصة في الأدب المغربي القديم المحتفى بها ضمن فعاليات هذه التظاهرة الثقافية الدولية، التي تحتضنها العاصمة الرباط، أسماء وجدت معها التشجيع؛ من قبيل: عباس الجراري، ومحمد بنشريفة، ومحمد حجي، معلقة: “تشجيعهم دفعني إلى المواصلة”.
وذكرت المريني أنها وجدت بالجامعة “نوعا من الهروب والعزوف من العمل على المخطوطات والوثائق الغميسة”؛ فـ”انصرفت عن كثير من مشاغل الحياة التي كان علي أن أعيشها شابة وامرأة، وانكببت على العلم والدرس، ومحراب العلم، الذي وجدت فيه لذة ومتعة رغم مشاقه (…) ثم فسح المجال لطلبة الجامعة، وأنشأتُ بالرباط وحدة تحقيق المخطوط في الغرب الإسلامي مع الأستاذ عباس الجراري، ثم أشرفت على وحدة للتحقيق بعد ذلك؛ لأن من الجميل الاهتمام بالأدب الحديث، لكن دافعت على النظر إلى جانب آخر من أدبنا لم يلتفت إليه، وكانت (…) الثمرة تكوين الطلبة الناجحين في الإجازة في تقديم دروس بالبحث في أمور من بينها المخطوطات (…) وكانت وحدة ناجحة بشهادة من درسوا فيها (…) بنتائج تدفع إلى الانشراح، ومنهم اليوم أساتذة بالكليات ومدارس التعليم العالي، ويعرّفون بهذا الأدب (…) مما يجعلني أستريح نسبيا لأنني على الأقل قدمت شيئا عن الأدب المغربي، والتعريف بالقدامى الذين نجهل عطاءهم”.
أما الأكاديمي محمد احميدة فقدّم في الجلسة التكريمية الأكاديمية نجاة المريني “العلامة الفكرية في الساحة الثقافية المغربية المعاصرة”، مضيفا: “مسارها يتميز باستدامته، حيث إنها من الأكاديميات والباحثات الجامعيات اللائي استمر حضورهن في الساحة الثقافية المغربية على مدى عقود من الزمن. أكثر من نصف قرن من العمل الثقافي المستمر؛ في مسار تربوي وتعليمي وجامعي وبحث علمي”.
ثم استرسل قائلا: “لقد ساهمت في صناعة أجيال في التعليمَين الثانوي والجامعي، ومارست التفتيش التربوي، وساهمت في تكوين مجموعة من المفتشين، وقوّمت وساهمت بآراء، مما ساهم في خلق جيل من الأساتذة.. بصرامة علمية تنعكس على مستوى الأستاذ، وساهمت في تكوين باحثين وأساتذة جامعيين”.
ووقف احميدة عند عطاء المريني في مجال التحقيق؛ “فهي من الباحثات والباحثين الذين عملوا على إخراج عدد من النصوص المخطوطة محققة تحقيقا علميا، وقد انصب اهتمامها بالدرجة الأولى على العصر السعدي للأدب المغربي، وهو عمل مهم، يتم جزءا من صفحة تاريخ الأدب العربي المغربي، ولبنة أساسية في كتابة تاريخنا الأدبي.
وقامت بعمل جليل في النصوص الشعرية والنثرية”، مع “عدم حصر نفسها في تلك الفترة التاريخية” بدراسة عطاءات مثل أدب عباس الجراري، وشعر علي الصقلي، وكتابات محمد حجي، على سبيل المثال لا الحصر.
وفضلا عن المشاركات العلمية داخل المغرب وخارجه، والحضور الثقافي المستمر إلى اليوم، عبر وسائط من بينها الملحق الثقافي لجريدة “العلم”، ذكر الأكاديمي أن تحقيق نجاة المريني “نصوصا مرتبطة بمجال الأدب المغربي”، اختيار نابعة من “غيرة على تاريخنا الثقافي”.
كما تجلت الغيرة العلمية لنجاة المريني في “كتابة تاريخ الأعلام” الذين “ترجمة للعديد منهم؛ وكتبت أكثر من ستين مادة علمية أغلبها حول الأعلام في ‘معلمة المغرب’، بتنوع في مجالات انتمائهم، أدبيا وتاريخيا وسياسيا وإعلاميا وقانونيا وتربويا”. كما أرخت لمدينتها سلا من زوايا متعددة، و”نجت على يدها عدد من المعالم التاريخية والأدبية؛ من خلال الترجمات وما دونته عن المدينة وأعلامها، سياسيا واجتماعيا وثقافيا”.
المصدر:
هسبريس