مومن سعدي كود ////
أثار تعليق السياسي المغربي المقرئ الإدريسي، الذي لمّح فيه إلى كُفر مقدّمي النشرة الجوية لعدم ربطهم أسباب التقلبات الجوية بإرادة الله و لا مآلاتها المستقبلية بمشيئته و لإِحجامهم عن مبادلته بالشكر على كل ذلك، رغبةً لديّ لتأمّل تمثُّل الإسلاميين لمَاهِيّةِ الألوهية.
https://www.facebook.com/share/v/1EVVLfjZuz/?mibextid=wwXIfr
فالوُجود كله لا يعدو أن يكون شبكة أزليّة متعددة الأبعاد من العلاقات السببية، التي حُدّدت مآلاتها بشكل حتمي، و لا مجال في سيرورتها للصدفة أو للتغيير.
و الإستشراف الدقيق لأحوال الطقس، مثلاً، يُعدُّ مثالًا على أن القدرة على التنبؤ ليست سِحرًا ولا تدخّلًا إلهيًّا خفيًّا بل علمًا عقليًّا يعتمد على وعينا بالسببية و الحتمية. فالعلماء يدرسون سلسلة من العلل المترابطة كدرجات الحرارة، و ضغط الهواء، و حركة الرياح، ثم يُدخِلونها في نماذج رياضية وِفق معادلاتٍ لاخطية تُظهر كيف تُنتِج هذه الشروط الابتدائية أحداثًا لاحقة بحتمية و ضمن منطق داخلي، حتى لو بدت في ظاهرها فوضوية.
وفق جيمس غاليك في كتابه الشيق “نظرية الفوضى: علم اللامتوقع”، فإن الكثير من ما نراه كسَلوك عشوائي في أحوال الطقس إنما هو بالفعل نمط مُحَدَّد بدقة بالعلل، لكنه شديد الحساسية لتلك الشروط الابتدائية، لدرجة أن تغييرًا طفيفًا في واحد من المتغيّرات قد يُولِّد عاصفة أو يُغيِّر مسارها.
فهنا، الوعي العقلي بالسببية لا يعني إدراك الغيب، بل فهم أن كل ظاهرة جوية تُنتَج داخل شبكة من العلل الحتمية، و أن تطوّر تقنيات التنبؤ يعبّر عن تقدّم الوعي بشروط هذه الشبكة، أي تطوّر الذكاء البشري، الذي يمثل بدوره نسقًا آخر من العلاقات السببية.
و بما أنني ذكرتُ اللاهوت آنِفا، فأستحضر فكرة الله عند باروخ سپينوزا الذي لا يقدمه كقوة مُشخصنة و متعالية تدبّر الوجود من خارجه، بل هو هو جوهر الوجود و الموجودات، أي أن الله و الطبيعة شيء واحد، و كل ما في الكون إنما هو تجليات لهذا الجوهر الواحد. و السعادة، عنده، تنبع من فهم الإنسان للقوانين التي تحكمه أي للعلاقات السببية و حتمياتها، مثل الإدراك العلمي لدينامية الطقس، فيتحول بذلك من السلبية إلى الفرح و القبول، و يصير قربه من الله هو درجة وعيه العقلي بجوهر الوجود و العالم الذي يعيش فيه.
إن المقريء الإدريسي يُقَدِّم الإرتقاء العقلي الذي سمح بإدراك تطوّر السببية و رصد مآلاتها، كنوع من الكفر، و في الوقت الذي يفعل فيه ذلك يُناقض منطقه الديني نفسه، فحسب ذلك المنطق، الله هو خالق العقل الذي يتوقَّع هطول المطر، بالتالي فالشكر يعود لله على هبة العقل لا على المطر، لأن هذا الأخير قد يكون كارثيًا على الإنسان، أما العقل فبتوقعاته العلمية يستبقُ إلى النجاة و يُجنِّب الأذى.
كان من المفترض أن يكون العقلُ، بوصفه مخلوقًا إلهيًّا، قريبًا منه فينتبه إليه و يشكر الله عليه، لكنه لم يفعل، لأن العقل لم يكتشف نفسه فيه بعد، و المقريء الادريسي لم ينأ عن العقل فحسب بل عن الله نفسه، وِفق فلسفة سبينوزا.
عنوان المقال مستعار من الكاتب السعودي عبد الله القصيمي
المصدر:
كود