آخر الأخبار

مليارات على الورق وواحات تحتضر .. هل تحولت وكالة تنمية الواحات إلى آلة لإنتاج الوهم التنموي؟

شارك

عادت الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان إلى قلب الجدل العمومي، في ظل تصاعد الانتقادات التي تطال أداءها وحصيلتها التنموية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى نجاعة تدخلاتها في مناطق تعد من أكثر المجالات هشاشة بيئيا واجتماعيا بالمغرب.

فبينما تروج الوكالة لأرقام استثمارية ضخمة بمليارات الدراهم يرسم الواقع الميداني صورة مغايرة تماما، حيث لا تزال الواحات تعاني من الفقر والهجرة وتدهور الموارد الطبيعية، ما يطرح إشكالية عميقة تتعلق بمدى صدقية هذه الأرقام وجدوى السياسات المعتمدة.

في هذا السياق، يرى مراقبون أن جزءا كبيرا من الأرقام التي تقدمها الوكالة يدخل في إطار ما وصفوه بـ”التضليل الإحصائي”، من خلال تجميع استثمارات قطاعات حكومية متعددة، مثل الفلاحة والتعليم والصحة، وإدراجها ضمن حصيلتها الخاصة، رغم أن تدخلها المباشر يظل محدودا.

هذا الأسلوب، وفق منتقدين، يخلق وهما بوجود مجهود تنموي كبير، في حين أن الأثر الحقيقي على حياة السكان يكاد يكون ضعيفا أو منعدما. ويعزز هذا الطرح ما يسجله الفاعلون المحليون من استمرار مظاهر الهشاشة، خاصة في مجالات الماء والبنية التحتية والتشغيل.

ولا يقف الجدل عند حدود الأرقام، بل يمتد إلى عمق الحكامة داخل المؤسسة. فقد كشفت نزاعات قضائية حديثة مع مكاتب دراسات وطنية عن اختلالات في تدبير الصفقات العمومية، أبرزها ملف مكتب دراسات، الذي لم يتوصل بمستحقاته المالية رغم إنجازه دراسة استراتيجية والمصادقة عليها من طرف مجلس إدارة الوكالة.

وتثير هذه القضية تساؤلات قانونية وأخلاقية حول مدى احترام الالتزامات التعاقدية، كما تلقي بظلال من الشك على شفافية تدبير المشاريع الكبرى، خاصة أن استمرار هذا الوضع قد يضر بثقة الخبرات الوطنية في المؤسسات العمومية.

وفي خضم هذا الوضع، ارتفعت أصوات برلمانية مطالبة بفتح تحقيق شامل في مالية الوكالة وطرق صرفها. فقد وجه رئيس الفريق الاشتراكي، عبد الرحيم شهيد انتقادات لاذعة لأداء المؤسسة، معتبرا أنها لم تقم بالدور الاستراتيجي الذي أحدثت من أجله، والمتمثل في حماية وتثمين الواحات.

وأكد أن الوكالة انحرفت عن مهامها الأساسية، من خلال انخراطها في مشاريع صغيرة ذات طابع اجتماعي، بدل التركيز على إعداد استراتيجيات كبرى قادرة على مواجهة التحديات البنيوية التي تهدد هذه المجالات. كما شدد على ضرورة تعبئة استثمارات بمليارات الدراهم، بدل الاكتفاء بمشاريع محدودة الأثر.

من جهته، أثار البرلماني عن الفريق النيابي للأصالة والمعاصرة، محمد صباري بدوره تساؤلات حول حصيلة تنفيذ الاتفاقيات التي أبرمتها الوكالة، خاصة بجهة كلميم وادنون، مطالبا بتقييم دقيق لمدى التزامها بمضامين البرنامج التنموي الجهوي. ويعكس هذا التوجه تناميا لرقابة برلمانية بدأت تضع أداء الوكالة تحت المجهر، خصوصا في ظل تزايد الشكاوى من ضعف التنسيق وغياب النتائج الملموسة.

على المستوى البيئي، تبدو المؤشرات أكثر إثارة للقلق. فالواحات، التي تشكل نظاما إيكولوجيا فريدا، تواجه اليوم تحديات مركبة تتجاوز الجفاف والفيضانات، لتشمل أخطارا بنيوية تهدد وجودها. في مقدمة هذه التحديات، يتواصل انتشار مرض البيوض الذي يفتك بأشجار النخيل، مخلفا خسائر فادحة في الإنتاج الفلاحي والتوازن البيئي. ورغم خطورة هذا المرض، يؤكد فلاحون أن برامج المواجهة تظل محدودة وغير كافية، سواء من حيث البحث العلمي أو تعميم الأصناف المقاومة.

إلى جانب ذلك، يتسارع زحف التصحر بشكل مقلق، حيث تتقدم الرمال نحو الواحات مهددة بتحويلها إلى أراض قاحلة، في ظل غياب مشاريع فعالة لوقف هذا النزيف البيئي. ويرى متتبعون أن الحديث عن “الصمود المناخي” في تقارير الوكالة لا يجد له ترجمة على أرض الواقع، خاصة في ظل ضعف التشجير الوقائي وانعدام حلول مبتكرة لحماية التربة والموارد المائية.

كما يطرح ملف الحرائق المتكررة للنخيل إشكالا آخر، إذ يشكو السكان من غياب برامج واضحة لتعويض الأشجار المتضررة. فبعد كل حريق، تظل مساحات واسعة من الواحات دون إعادة تأهيل، في غياب توزيع كاف لشتلات جديدة، ما يفاقم تدهور الغطاء النباتي ويعمق الأزمة الاقتصادية للفلاحين الذين يعتمدون بشكل أساسي على إنتاج التمور. ويعتبر فاعلون محليون أن عدم تعويض النخيل المحترق يعكس خللاً كبيراً في التدبير، ويؤكد غياب رؤية مستدامة لإعادة تأهيل المنظومات الواحية.

الأكثر إثارة للجدل، حسب شهادات ميدانية، هو تركيز الوكالة بشكل أكبر على مناطق شجر الأركان، على حساب الواحات، ما خلق نوعا من الإحساس بالتهميش لدى سكان الجنوب الشرقي. وقد دفع هذا الوضع بعض الفاعلين إلى المطالبة بإعادة هيكلة الوكالة أو حتى تقسيمها إلى مؤسستين مستقلتين، لضمان عدالة مجالية في توزيع الموارد والاهتمام.

وفي ظل هذه المعطيات، يطرح العديد من المتتبعين مسألة “أزمة النموذج التنموي” الذي تعتمده الوكالة. فبدلا من أن تكون قاطرة للتغيير، يرى منتقدون أنها تحولت إلى جهاز إداري يركز على إعداد الدراسات والتقارير، دون القدرة على تنزيلها على أرض الواقع. كما أن ضعف التواصل مع المجتمع المدني المحلي، وغياب إشراك الساكنة في اتخاذ القرار، يزيد من تعميق الفجوة بين المؤسسة ومحيطها.

وقد سبق لـالمجلس الأعلى للحسابات أن سجل ملاحظات حول أداء الوكالة، داعيا إلى تحسين الحكامة وتعزيز التنسيق بين المتدخلين، وهي توصيات تبدو، حسب متابعين، لم تجد طريقها إلى التنفيذ بالشكل المطلوب.

ويرى مراقبون، أن الواقع المزري الذي تعيشه واحات زاكورة ونواحيها، من عطش وفقر وبطالة، يضع الوكالة الوطنية (ANDZOA) في قفص الاتهام. فبينما يقبع المسؤولون في “قاعات مكيفة”، تظل الواحات “مقابر للنخيل” وشاهدا حيا على تبديد الجهود في مشاريع وهمية.

إن إنقاذ هذا الموروث العالمي المصنف لدى اليونسكو لا يحتاج إلى “تقارير وردية”، بل إلى إرادة سياسية حقيقية تخرج الوكالة من “أزمة هويتها” وتحول ملياراتها على الورق إلى ماء يروي الأرض وكرامة تحفظ للإنسان الواحي بقاءه.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا