أحمد الطيب – كود الرباط//
ينص الدستور، وتؤكد القوانين التنظيمية، على أن الحق في الحصول على المعلومة حق أساسي، لا منة فيه. غير أن هذا الحق، في الممارسة اليومية بالمغرب، يبدو وكأنه خاضع لنظام الحجز المسبق لدى وكالات العلاقات العامة، التي تحولت من أدوات مساعدة إلى حراس بوابات جدد، يقررون من يتحدث، ومن يسكت، ومن ينتظر إلى أجل غير مسمى.
ففي الأونة الأخيرة، انتشرت عادة سيئة وعبثية لدى بعض المؤسسات العمومية والشركات المملوكة للدولة، تتمثل في تفويض التواصل مع الصحافة إلى وكالات خاصة. وبدل أن ييسر هذا التفويض الولوج إلى المعلومة، أضاف طبقة بيروقراطية جديدة، تجعل الصحافي يمر بمسار أشبه بمتاهة. اتصال أول، ثم إحالة، ثم “سنعود إليك”، ثم صمت إداري طويل أحيانا يقطعه بلاغ عام خشبي لا يجيب عن شيء.
هكذا يتحول الحق في المعلومة، المضمون دستوريا، إلى مطلب قابل للتأجيل الممتد، وإلى سؤال غير مرغوب فيه، وربما إلى إزعاج ينبغي “تدبيره تواصليا” عن طريق شركات علاقات عامة.
وإذا كان القطاع الخاص حرا في الاستعانة بمن يشاء لتلميع صورته أو تسويق روايته، فإن هذا المنطق لا يستقيم حين نتحدث عن مؤسسات عمومية تموَل من المال العام، أو شركات تدير ممتلكات وموارد الوطن نيابة عن المواطنين. فهنا لا نتحدث عن “السمعة”، بل عن المساءلة والمعلومة.
والمفارقة الساخرة أن المال العام هو من يمول وكالات تواصل، ظاهريا لتحسين التواصل، بينما النتيجة العملية هي تواصل في اندثار، ومعلومة أندر، وصحافة أكثر تهميشا أصابتها عدوى العلاقات العامة.
وغالبا ما تقدم وكالات التواصل باعتبارها مهنية ومحايدة، لكن الواقع يكشف أن عددا كبيرا منها يجد نفسه في موقع تضارب مصالح صارخ. فهي تشتغل في الآن نفسه مع وزارات، ومؤسسات عمومية، وشركات خاصة، بعضها خاضع لرقابة تلك الوزارات نفسها. في هذا السياق، يصبح الصحافي الحلقة الأضعف، رهينة حسابات لا علاقة لها بالمصلحة العامة ولا بحرية الصحافة.
فكيف ننتظر من وكالة تمثل شركة خاصة كبرى أن تسهل لصحافي تحقيقا استقصائيا مثلا قد يحرج زبونا آخر لها في القطاع العام؟
فمن حقنا كصحافة وكمواطنين أن نتساءل عن الحصيلة التواصلية لبعض القطاعات الحساسة. فكيف يعقل أن تشرف وزيرة المالية على واحدة من أهم الحقائب الحكومية، ذات الأثر المباشر على معيش المواطنين، دون أن تعقد ندوات صحفية دورية؟.
المؤسف أن هذا الصمت يواكبه حضور دائم لوكالة تواصل ترافق الوزيرة في حلها وترحالها. فإذا كان التواصل غائبا والندوات الصحفية في خبر كان لدى وزارة المالية، فمن حقنا أن نتسائل أي نوع من التواصل أو العلاقات العامة تدبره هذه الوكالة؟ هل ترافق الصمت؟ أم تدير الغياب؟
وهنا يصبح السؤال مشروعا وحقوقيا: هل نحن أمام تواصل عمومي أم أمام عبء إضافي على المال العام؟.
النجاعة والشفافية تقتضيان أن تقوم المؤسسات العمومية بنفسها بتدبير التواصل مع الصحافة، عبر أطرها ودواوينها، لا عبر وسطاء يفرغون العلاقة من بعدها الديمقراطي. فالتواصل مع الصحافة ليس خدمة تكميلية، بل جزء من واجب المساءلة والخدمة العمومية واحترام دور الصحافة والصحافي.
وإلا، فلم تحدث مناصب ومديريات التواصل في المؤسسات العمومية والوزارات وأعضاء الدواوين؟ هل لتحويلهم إلى ممر إجباري نحو وكالة خاصة؟ أم لتحرير البلاغات التي لا تقال فيها أي معلومة جديدة؟
الأخطر من ذلك أن وكالات العلاقات العامة ليست دائماً على مسافة واحدة من جميع الصحافيين. قد تقصي هذا، وتتجاهل ذاك، وتكافئ من يطرح الأسئلة “اللطيفة”. وهكذا يتحول التواصل العمومي إلى أداة انتقاء غير معلنة تكافىء من يتماشى مع الأجندة الربحية لشركات العلاقات العامة في اسعاد زبنائها على حساب الصحافة المسؤولة.
وفي حالات كثيرة، لم يتلق صحافيون – ومنهم صحافيو كود – أي دعوة أو تفاعل من ممثلي هذه الوكالات، وكأن الحق في المعلومة امتياز تمنحه هذه الشركات الخاصة المكلفة بتنميق الصورة لا حق يُصان. فمثلا لم تتلق كود اي دعوة لحضور أنشطة وزارة المالية منذ عهد.
إن استعادة المعنى الحقيقي للتواصل العمومي تمر عبر القطع مع الوسطاء، وإعادة الاعتبار لعلاقة مباشرة، شفافة، ومنتظمة بين المسؤول العمومي والصحافة.
المصدر:
كود