قالت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، إن المغرب اختار خوض “رهان تكنولوجي” يقوم على بناء نموذج سيادي جديد لا يقوم على الهيمنة، بل على القدرة على الربط والتجميع وتسخير الابتكار لخدمة التنمية والصالح العام، في سياق دولي يتسم بتسارع الذكاء الاصطناعي وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
وأكدت السغروشني، في كلمة ألقتها خلال افتتاح تظاهرة “GITEX Africa 2026″، أن احتضان مدينة مراكش لهذا الحدث الدولي، الذي يجمع أكثر من 50 ألف مشارك من صناع القرار والمستثمرين والمبتكرين، يعكس المكانة المتنامية للمغرب كمنصة استراتيجية لتشكيل مستقبل التكنولوجيا في إفريقيا والعالم، مشددة على أن المغرب لم يكن يوما بلدا معزولا، بل شكل دائما جسرا حضاريا بين الشمال والجنوب، والشرق والغرب، وهو ما يؤهله اليوم للعب دور محوري في الحوار الدولي حول الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
وأوضحت السغروشني أن العالم يشهد تحولات عميقة تعيد تشكيل موازين القوة، ليس فقط على المستوى الجغرافي، بل أيضا في أبعادها التكنولوجية والعلمية والعسكرية والاقتصادية، مشيرة إلى أن متغيرين رئيسيين يفرضان نفسيهما اليوم، وهما عودة النزاعات المسلحة عالية الحدة، والتسارع غير المسبوق في مجال الذكاء الاصطناعي.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تكنولوجية، بل أصبح في آن واحد رافعة للتنافسية، ورهانا للسيادة، ومجالا للتنظيم، وأسلوبا جديدا للحكامة، في ظل عالم يتسم بتزايد الانقسامات وتكرار الأزمات، ما يستدعي إعادة التفكير في نماذج التعاون الدولي وبناء تحالفات جديدة قادرة على الاستجابة لتحديات السلام والاستقرار والازدهار.
وشددت الوزيرة على أن المنافسة العالمية في المجال التكنولوجي أصبحت أيضا “معركة استثمارات”، مبرزة أن الولايات المتحدة خصصت، خلال سنة 2023، ما يزيد عن 67 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة في الذكاء الاصطناعي، مدعومة ببرامج صناعية كبرى مثل “CHIPS and Science Act” بقيمة 280 مليار دولار، في حين تواصل الصين تنفيذ استراتيجية طموحة لتحقيق الريادة التكنولوجية في أفق 2030، باستثمارات تفوق 100 مليار دولار خلال العقد الأخير.
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي يسعى، من جهته، إلى التوفيق بين الابتكار والتنظيم، من خلال برامج كبرى مثل “Horizon Europe” بميزانية 95.5 مليار يورو و”Digital Europe” بقيمة 7.5 مليار يورو، إلى جانب إعداد خطة استثمارية قد تصل إلى 200 مليار يورو في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي مقابل هذه النماذج، أبرزت السغروشني أن المغرب لا يسعى إلى منافسة “القوى الثقيلة” بنفس الأدوات، بل إلى “ابتكار لعبة جديدة”، عبر ما وصفته بـ”الطريق الثالث”، الذي يقوم على أربعة مرتكزات أساسية، تشمل تحقيق سيادة تكنولوجية عملية موجهة لخدمة المصلحة العامة، وبناء حداثة رقمية منسجمة مع الخصوصيات الوطنية، وتعزيز موقع المغرب كقوة تكنولوجية متوازنة تربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي، فضلا عن لعب دور منصة دولية للحوار حول قضايا الذكاء الاصطناعي.
كما أكدت أن هذا التوجه ينبع من موقع المغرب كجسر بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، ومن تقاليده في الحوار متعدد الأطراف، ما يؤهله ليكون فضاء دوليا للنقاش حول الذكاء الاصطناعي الأخلاقي، القائم على التوازن بين الابتكار والسيادة والمسؤولية.
وفي بعد استشرافي، نبهت الوزيرة إلى أن التحولات التكنولوجية لا تتوقف عند الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى بروز الثورة الكمية، التي ستغير بشكل عميق قدرات الحوسبة وأمن المعطيات والتشفير، ما يفرض الاستعداد المبكر لهذا التحول.
وخلصت السغروشني إلى أن السياق الدولي، الذي يشهد عودة “الحرب المعولمة” وتزايد توظيف التكنولوجيا في موازين القوة، يجعل من السيادة التكنولوجية أولوية استراتيجية، في ظل تعدد النماذج العالمية بين مقاربة ليبرالية تقودها المنصات الأمريكية، ونموذج صيني قائم على تكامل التكنولوجيا مع الدولة، ومقاربة أوروبية تسعى إلى التوازن بين الابتكار والتنظيم.
وأكدت أن المغرب، مدعوما بالرؤية الملكية، ماض في ترسيخ نموذج تكنولوجي منفتح ومتوازن، قادر على مواكبة التحولات العالمية، مع الحرص على استباق المخاطر وتعزيز موقعه كفاعل محوري في منظومة الابتكار الرقمي على الصعيدين الإقليمي والدولي.
المصدر:
العمق