كوثر عدنان – كود الرباط ///
يولي كثير من المعلقين في أغلبية البرامج الرياضية المغربية أهمية، درامية أحيانا، لما يقوله معلق أجنبي أو صحافي أو أحيانا حتى صفحات جماهيرية لأندية في مصر، حول قرار لجنة الاستئناف في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم اعتبار المنتخب السنغالي منهزما في المباراة النهائية لصالح المغرب.
شيء مضحك صراحة، لكنه في الحقيقة يعبر عن مشكل بنيوي في الإعلام المغربي عموما، والرياضي جزء منه فقط.
وتفسير هذه الظاهرة المضحكة يكمن في ما أسميه، بدون أي تواضع، “عقدة الصالون المغربي”.
ففي كل الأسر المغربية تقريبا يعتبر الصالون أهم قطعة في البيت، يزين بالأثاث الأرفع ويغطي المساحة الأكبر ليس لأهل البيت بالضرورة بل أساسا للضيوف.
وعندما يأتي الضيوف تقام لهم الوليمة في أحسن الطباسل ويقدم لهم الشاي في أرفع كؤوس البلار…
في الأصل، تعبر هذه العادة عن خصوصية شائعة في المغرب، وفي بلدان أخرى أيضا، وهي الكرم والتضامن (في حالة ضيف الله).
تطرح هذه العقدة مشكلتين : العلاج والإصلاح.
العلاج بسيط، فعلى غرار حديث “للصائم فرحتان، عند إفطاره وعند لقاء ربه” يجب أن تكون للمغربي فرحتان، عند انتصار فريقه الرياضي وعند الاستمتاع بحرقة الحاقدين أو الحساد أو الخصوم (وهذا حقهم الطبيعي).
لكن الشفاء من هذه العقدة لا يمكن أن يدوم دون إصلاح البيئة التي تجعل الكثير من المغاربة في الأعوام الأخيرة معرضين للإصابة بها في أو وقت.
وهذا الإصلاح يتطلب احترام البديهيات التالية :
أولا، المصلحة الوطنية أو “صورة البلد” وهي موضوع يهم المسؤولين الحكوميين لأنهم يتوفرون على المعلومات الضرورية من أجل الإخبار والإقناع والتوضيح والدعاية ومواجهة الدعاية المضادة في كل المجالات.
إذا كانوا صامتين، أو فاشلين تكون “صورة البلد” باهتة. معادلة بسيطة.
ثانيا، الإعلام الوطني، وهو مكون من جماعة متعددة ومختلفة من الصحافيين الذين يعيشون من مهنة قائمة على المنافسة لا يمكن أن يكون فيها “إجماع” أو أن تدعى “لتتجند” لخدمة الوطن.
الوضعية الوحيدة التي يمكن أن يخدم فيها الإعلام الوطني المصالح الوطنية هي وضعية الفعالية.
لكن الفعالية ترتبط بالمصداقية،
والمصداقية ترتبط بتوفر المعلومات القابلة للتحقق، وبحرية الصحافيين (المتوفرين على حد أدنى من التعليم والتكوين المهني) في عرض هذه المعلومات وتوضيحها ووضعها في سياقاتها.
ثالثا، الإعلام الدولي، بما أن المغرب لديه التزامات وطموحات دولية (القضية الوطنية، الاستثمارات الأجنبية، السياحة الأجنبية، الجالية المغربية في الخارج) فإنه يحتاج لإعلام العالم بمصالحه الوطنية.
وأمامه، مثل كل بلدان العالم، وسيلتان فقط : الإعلام الوطني والإعلام الدولي المعتمد في المغرب، وفي حالات محددة – مثل النزاع مع السنغال – يمكن أيضا استهداف إعلام وطني لبلد آخر توجد فيه مصلحة وطنية.
في الواقع، لا توجد دولة في العالم تؤثر في الخارج بإعلام وطني ضعيف.
المعادلة بسيطة : دون إعلام وطني فعال كل ما يقال عن هذا الموضوع مجرد ملء للصهاريج.
لكن الشرط الوحيد والأوحد لإعلام وطني فعال، هو المصداقية، وهي كما رأينا لا تتحقق دون سوق حرة وحرية الوصول للمواد الأولية (أي الأخبار والمعلومات والتوضيحات والخلفيات…)
المشكلة أن أصحاب القرار اختاروا منذ حوالي 16 عاما نظاما مناقضا تماما لهذه البديهيات.
فقد انتقلنا من سوق إشهار حرة نسبيا (المورد الوحيد للإعلام) إلى سوق مغلقة تماما، بل إلى نموذج شيوعي غير موجود ربما حتى في الصين الشعبية، أصبحت فيه الدولة تؤدي مباشرة أجور الصحافيين منذ سنوات.
ومن حرية نسبية في الحصول على المعلومات إلى احتكار شبه مطلق يستند على ثلاثية : الصمت، الإملاء، والتهويل.
“المسؤول” في الغالب صامت،
والناطق “غير الرسمي” يملي ما يقال وما لا يقال،
والآمر بالصرف يشتري “المؤثرين”، من أقاصي الدنيا أحيانا، ليقيموا كرنفالات في احداث كبيرة كالمعرض الدولي للكتاب…
قد يكون الإملاء ضروريا في بعض السياقات، والصمت أيضا، كما يمكن أن تكون “الكرنفالية” مسلية ومفيدة في الترويج السياحي مثلا…
لكنها قطعا، لا يمكن أن تجعل الإعلام الوطني مؤثرا في الخارج ولا الإعلام الدولي متأثرا بالرواية المغربية للمصلحة الوطنية.
في هذا القطاع، كما في قطاعات أخرى كثيرة، عشنا لعقود طويلة صراعات من أجل الإصلاح حققت مكاسب وخيبت آمالا.
لكن المقاربة، في العموم، كانت خاطئة لأنها تركزت حول قيم مثالية : الحرية، والاستقلالية، والعقوبات السجنية…
أمام أصحاب القرار، ربما، فرصة لإعادة الموضوع إلى نطاقه المادي : الفعالية.
إن تحرير الإعلام ليس فضيلة أو غاية مثالية، بل هو مجرد منفعة ووسيلة للدفاع عن المصلحة الوطنية.
المصدر:
كود