آخر الأخبار

زراعة فوق الغيوم.. كيف تحدى مزارعو "أكناري" قساوة الطبيعة؟

شارك

هبة بريس – طارق عبلا

قبل شروق الشمس بقليل، كانت الطريق الجبلية الضيقة التي تقود إلى قرى آيت باعمران بضواحي سيدي إفني تختفي تدريجيا وسط الضباب الكثيف، كلما ارتفعت السيارة أكثر نحو القمم، بدا المشهد وكأن الجبال نفسها تغرق في بحر أبيض من الغيوم، عند إحدى المنعرجات، ظهرت بيوت صغيرة متناثرة فوق السفح، بينما كانت الحقول المحيطة بها بالكاد ترى بين خيوط الضباب التي كانت تتحرك ببطء مع الرياح القادمة من المحيط الأطلسي.

في هذه المرتفعات التي يتجاوز ارتفاع بعضها ألف متر عن سطح البحر، يعيش مئات الفلاحين الذين اعتادوا منذ عقود طويلة زراعة الأرض في ظروف مناخية صعبة، هنا، حيث تبدو القرى أحيانا وكأنها معلقة فوق الغيوم، يواصل السكان استغلال الأراضي الجبلية الصغيرة لزراعة محاصيل تكيفت مع قلة الأمطار وقساوة الطبيعة.

على حافة أحد الحقول القريبة من القرية، كان الحسين بوعلام، فلاح في منتصف الخمسينات من عمره، يتفقد نباتات الصبار التي تغطي جزءا كبيرا من أرضه، كان الضباب يمر فوق الحقل في موجات بطيئة، بينما كان الرجل يقف بصمت لبضع لحظات قبل أن يشير إلى التلال المحيطة، “شوف هاد الضباب”، يقول الحسين مبتسما وهو ينظر إلى السماء، “زمان كنا نشوفوه غير غيوم كاتدوز و اليوم ولى كيعطينا الماء”.

الحسين واحد من عشرات الفلاحين في هذه المنطقة الذين يعتمدون على نبتة الصبار أو “أكناري” كما يسميها السكان المحليون، كمصدر رئيسي للدخل، تنتشر هذه النبتة على امتداد التلال المحيطة بسيدي إفني، حتى تبدو بعض المنحدرات وكأنها مغطاة بالكامل بألواحها الخضراء السميكة.

في موسم الجني، تتحول هذه الحقول إلى ورشات عمل مفتوحة، منذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ الفلاحون في جمع ثمار الصبار بعناية لتجنب الأشواك الدقيقة التي تغطيها، بعد ذلك تنقل الصناديق إلى الأسواق القريبة أو تباع مباشرة للتجار الذين يقصدون المنطقة خلال هذه الفترة.

يقول الحسين وهو يرفع إحدى الثمار التي ما تزال عالقة بالنبتة: “الصبار ما كيطلبش الماء بزاف… لكن باش يكون الإنتاج مزيان خاصو العناية”.

خلال السنوات الأخيرة، أصبح الصبار واحدا من أهم المنتوجات المجالية في هذه المنطقة، فإلى جانب استهلاك ثماره الطازجة في الأسواق المغربية، بدأت بذوره تستعمل أيضا في استخراج زيوت تجميلية ذات قيمة مرتفعة، وهو ما جعل الطلب عليه يتزايد بشكل ملحوظ.

لكن رغم قدرة هذه النبتة على مقاومة الجفاف، فإن الفلاحين يؤكدون أن تغير المناخ خلال السنوات الأخيرة بدأ يؤثر حتى على المحاصيل التي اعتادت التكيف مع الظروف القاسية، “الدنيا تبدلات”، يقول الحسين وهو ينظر إلى الحقل: “كاين سنوات كيكون فيها الجفاف طويل بزاف… وهاد الشي كيأثر حتى على الصبار”.

المعطيات المناخية تؤكد هذه الملاحظة، فالمناطق الجبلية المحيطة بسيدي إفني تقع ضمن المجال شبه الجاف لجبال الأطلس الصغير، حيث لا يتجاوز معدل التساقطات المطرية في كثير من السنوات 150 إلى 200 مليمتر سنويا، هذا الرقم يبقى أقل بكثير من المعدلات المسجلة في المناطق الفلاحية الكبرى بالمغرب.

لكن الطبيعة في هذه الجبال تخبئ مفارقة لافتة، فرغم قلة الأمطار، تعرف المرتفعات مرور كتل كثيفة من الضباب خلال عدد كبير من أيام السنة، في بعض الفترات، يمكن أن يغطي الضباب القمم لأكثر من 140 يوما في السنة، وهو ما جعل هذه المنطقة واحدة من أفضل المواقع في العالم لتجربة تقنية تعتمد على تحويل الضباب نفسه إلى مصدر للمياه.

بعد مغادرة حقل الحسين بقليل، يواصل الطريق صعوده نحو قمة جبل بوتمزكيدة، أحد أعلى المرتفعات المطلة على قرى آيت باعمران، كلما اقتربنا من القمة، كان الضباب يزداد كثافة حتى أصبح الأفق بالكاد مرئيا، بين لحظة وأخرى كانت الرياح تدفع كتل الضباب نحو السفح، فتختفي التلال لثوان قبل أن تعود للظهور من جديد، عند آخر المنعرجات، بدأت تظهر في الأفق أشكال داكنة تمتد على طول القمة، بدت من بعيد وكأنها أسوار ضخمة تواجه الرياح القادمة من المحيط الأطلسي.

لكن عندما نقترب أكثر يتضح أن الأمر مختلف تماما، فهذه ليست جدرانا ولا أسوارا، بل شبكات عملاقة مثبتة على هياكل معدنية تمتد على طول القمة في صفوف متوازية، هنا يوجد أحد أكبر مشاريع حصد الضباب في العالم، المشروع الذي تشرف عليه جمعية دار سي حماد للتنمية منذ سنوات لتحويل الضباب الذي يغطي هذه الجبال إلى مصدر فعلي للمياه.

وسط هذه الشبكات السوداء التي ترتفع عدة أمتار عن الأرض، كان عبد الله أزوكار، أحد التقنيين العاملين في المشروع، يتفقد إحدى القنوات الصغيرة التي تنقل المياه نحو الأنابيب، يشرح الرجل وهو يشير إلى الشبكات الممتدة فوق القمة أن الفكرة تقوم على مبدأ بسيط، عندما تمر كتل الضباب عبر هذه الشباك الخاصة، تلتصق قطرات الماء الدقيقة بخيوط الشبكة، ثم تتجمع تدريجيا قبل أن تنساب نحو الأسفل حيث يتم جمعها داخل قنوات بلاستيكية.

“الضباب هنا ليس مجرد ظاهرة عابرة”، يقول عبد الله وهو ينظر إلى القمم التي تغطيها الغيوم، “هذه المنطقة تعرف مرور الضباب لأكثر من 140 يوما في السنة، ولهذا تعتبر من أفضل المواقع في العالم لتجربة هذه التقنية”.

يشير التقني إلى خزان كبير يقع أسفل الجبل قبل أن يضيف أن الشبكات المثبتة على القمة قادرة في الأيام التي يكون فيها الضباب كثيفا على إنتاج ما يصل إلى 20 ألف لتر من الماء يوميا، هذه الكمية، رغم أنها تبدو محدودة مقارنة بمصادر المياه التقليدية، تشكل موردا مهما لعدد من القرى الجبلية التي عانت لسنوات طويلة من ندرة المياه.

المياه التي يتم جمعها عبر هذه التقنية لا تبقى في الجبل، بل تنقل عبر شبكة من الأنابيب لمسافة عدة كيلومترات نحو القرى المجاورة، هناك يتم تخزينها في خزانات قبل توزيعها على السكان عبر نقاط ماء قريبة من المنازل، بالنسبة لعدد من الأسر القروية، شكل هذا المشروع تحولا كبيرا في حياتهم اليومية.

في إحدى القرى القريبة من موقع المشروع، كانت فاطمة بومهدي، وهي سيدة خمسينية من سكان المنطقة، تملأ وعاءا بلاستيكيا من صنبور صغير قرب منزلها، تتوقف للحظة قبل أن تقول بابتسامة خفيفة إن الحياة في القرية لم تكن دائما بهذه السهولة: “قبل المشروع كنا نمشيو بعيد باش نجيبو الماء”، تقول فاطمة وهي تشير إلى التلال المحيطة بالقرية، “كان الطريق طويل… وأحيانا كنمشيو أكثر من ساعة باش نرجعو بالدلاء”.

اليوم لم تعد الرحلة اليومية نحو الينابيع البعيدة جزءا من حياة النساء في هذه القرية، فالماء الذي يبدأ رحلته على شكل ضباب فوق قمة الجبل يصل الآن إلى المنازل عبر شبكة من الأنابيب، ليغير تفاصيل الحياة اليومية في هذه القرى الجبلية الصغيرة.

مع عودتنا من قمة جبل بوتمزكيدة نحو القرى المنتشرة على السفوح، كان الضباب قد بدأ يتراجع قليلا تاركا الحقول تظهر تدريجيا بين التلال، على جانبي الطريق الجبلية، تمتد مساحات واسعة من نباتات الصبار التي تغطي المنحدرات بلونها الأخضر الداكن، بعض هذه الحقول تبدو وكأنها نبتت بين الصخور نفسها، في مشهد يوضح كيف استطاع الفلاحون عبر سنوات طويلة تكييف الزراعة مع طبيعة الأرض القاسية.

في أحد هذه الحقول، كان إبراهيم أوتاقي، وهو فلاح في الأربعينات من عمره، يراقب نباتات الصبار التي زرعها قبل سنوات، يقول الرجل وهو يشير إلى امتداد الحقل أمامه إن هذه النبتة أصبحت بالنسبة لكثير من سكان المنطقة أكثر من مجرد محصول فلاحي، بل مورد اقتصادي أساسي تعتمد عليه عشرات الأسر القروية: “الصبار هنا ماشي غير نبات كينبت وحدو”، يقول إبراهيم وهو يمر بيده قرب إحدى الألواح الخضراء، “راه ولى مورد للرزق ديال بزاف ديال الناس”.

حسب معطيات خاصة، تتجاوز المساحة المزروعة بالصبار في المغرب 200 ألف هكتار بإنتاج سنوي يقارب مليون طن من الثمار، وتوجد نسبة كبيرة من هذه المساحات في الجنوب الغربي للمملكة، خصوصا في إقليم سيدي إفني الذي يعد من أبرز مناطق إنتاج الصبار في البلاد، وتشير تقديرات مهنية إلى أن هذه المنطقة وحدها تضم حوالي 80 ألف هكتار من زراعة الصبار، أي ما يمثل نحو 40٪ من الإنتاج الوطني لهذه النبتة.

و تنتشر زراعة الصبار في عدد من الجماعات القروية التابعة لإقليم سيدي إفني، خصوصا في مناطق آيت باعمران التي تشتهر منذ عقود بهذه النبتة المقاومة للجفاف، خلال فصل الصيف، تتحول هذه الحقول إلى مصدر نشاط اقتصادي مهم، حيث يتم جني الثمار ونقلها إلى الأسواق المحلية أو بيعها مباشرة للتجار الذين يقصدون المنطقة خلال موسم الجني.

وتشير تقديرات فلاحية محلية إلى أن آلاف الأطنان من ثمار الصبار يتم تسويقها سنويا انطلاقا من هذه المناطق نحو أسواق مختلفة داخل المغرب و حتى خارجه، كما أن الطلب على منتجات الصبار، خصوصا الزيوت المستخرجة من بذوره، بدأ يتزايد في السنوات الأخيرة، ما دفع عددا من التعاونيات المحلية إلى العمل على تثمين هذا المنتوج وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

لكن رغم قدرة الصبار الكبيرة على تحمل الجفاف، يؤكد الفلاحون أن تطوير زراعته وتحسين جودة إنتاجه يتطلب عناية مستمرة بالنباتات، خصوصا خلال فترات النمو، ويشرح إبراهيم أن بعض الممارسات الفلاحية الجديدة التي بدأ الفلاحون في اعتمادها، مثل تنظيم الغراسة والعناية بالتربة، تحتاج في بعض الأحيان إلى سقي تكميلي خفيف يساعد النباتات على النمو في ظروف أفضل: “الصبار قوي وكيصبر على العطش”، يقول إبراهيم، “لكن ملي كتكون العناية مزيانة كيكون الإنتاج أحسن”.

في هذا السياق، لعب توفر المياه التي يتم جمعها عبر مشروع حصد الضباب دورا مهما في تحسين ظروف العمل بالنسبة لعدد من الفلاحين في القرى القريبة من المشروع، فالماء الذي يصل إلى بعض هذه القرى لا يستعمل فقط في الحاجيات المنزلية، بل يساعد أيضا في بعض الأنشطة الفلاحية البسيطة مثل سقي النباتات الصغيرة أو الاعتناء بالحقول خلال الفترات الأكثر جفافا.

ورغم أن الكميات المتوفرة تبقى محدودة مقارنة بالزراعة السقوية في السهول، فإن الفلاحين يعتبرون هذا المورد المائي إضافة مهمة في منطقة عانت لسنوات طويلة من ندرة المياه، بالنسبة لهم، حتى كميات قليلة من الماء يمكن أن تصنع فرقا كبيرا عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على النشاط الفلاحي في بيئة جبلية صعبة.

وبين الحقول الممتدة على السفوح والأنابيب التي تنقل المياه القادمة من الضباب فوق القمم، تتشكل صورة مختلفة عن الفلاحة في هذه المنطقة، هنا، حيث يلتقي العمل اليدوي للفلاحين مع مبادرات بيئية مبتكرة، تحاول القرى الجبلية أن تجد طريقها الخاص للاستمرار في مواجهة تحديات المناخ.

مع اقتراب منتصف النهار، كانت الحركة قد بدأت تدب داخل مبنى بسيط هنا في القرية، خلف باب معدني نصف مفتوح، تنشغل مجموعة من النساء بفرز ثمار الصبار التي جمعت في الصباح الباكر من الحقول المجاورة، الصناديق البلاستيكية مصطفة على الأرض، بينما تجلس النساء حول طاولة طويلة يرتدين قفازات سميكة لحماية أيديهن من الأشواك الدقيقة التي تميز هذه الثمار.

هنا يوجد مقر تعاونية نسائية صغيرة تعمل على تثمين منتجات الصبار “أكناري”، أحد أهم الموارد الفلاحية في المنطقة، تقول خديجة أوشن، وهي إحدى عضوات التعاونية، إن العمل يبدأ عادة في هذا المكان بعد انتهاء موسم الجني في الحقول، “كنستقبلو الصبار من الفلاحين ديال الدواوير القريبة”، تقول خديجة وهي تفرز الثمار بعناية، “ومن بعد كنخدمو عليه باش يتحول لمنتجات أخرى”.

لا يقتصر العمل داخل التعاونية على بيع الصبار كفاكهة موسمية فقط، فمع مرور السنوات، بدأت بعض التعاونيات في المنطقة تبحث عن طرق لتحويل هذه النبتة إلى منتجات ذات قيمة مضافة، في غرفة صغيرة داخل المبنى، تعرض قنينات صغيرة من زيت بذور الصبار الذي أصبح منتوجا مطلوبا في مجالات التجميل بفضل خصائصه الطبيعية.

تشرح خديجة أن استخراج هذا الزيت يتطلب كميات كبيرة من البذور، إذ يحتاج إنتاج مركز لتر واحد فقط إلى آلاف الحبات من الصبار، ورغم أن العملية تبدو معقدة، فإنها أصبحت بالنسبة لعدد من النساء في القرى الجبلية فرصة لخلق مصدر دخل إضافي، “هاد العمل عطانا فرصة نخدمو هنا فالدوار”، تضيف خديجة، “وبدينا نتعلمو كيفاش نحولو الصبار لمنتوجات كتتباع بثمن أحسن”.

تثمين الصبار لم يعد مجرد مبادرة محلية صغيرة، بل أصبح جزءا من توجه أوسع يسعى إلى دعم المنتوجات المجالية في عدد من المناطق القروية بالمغرب، في هذا الإطار، استفادت عدد من التعاونيات الفلاحية في إقليم سيدي إفني من برامج الدعم التي تهدف إلى تحسين الإنتاج وتنظيم سلاسل التسويق.

وتندرج هذه المبادرات ضمن الاستراتيجيات الفلاحية الوطنية التي تسعى إلى دعم الفلاحين الصغار وتشجيع تثمين المنتجات المحلية، فبرامج مثل استراتيجية الجيل الأخضر تهدف إلى تعزيز الاقتصاد القروي عبر دعم التعاونيات وتحسين ظروف الإنتاج والتسويق.

كما تعمل مؤسسات مثل الوكالة المغربية للتنمية الفلاحية، على تنفيذ هذه السياسات على أرض الواقع عبر تشجيع الاستثمار في القطاع الفلاحي ومواكبة الفلاحين في تطوير مشاريعهم، وتقوم الوكالة بدور محوري في تنزيل الاستراتيجيات الفلاحية الوطنية من خلال دعم سلاسل الإنتاج وتعزيز قدرات الفلاحين الصغار على الاندماج في الأسواق.

في المناطق الجبلية مثل آيت باعمران، حيث تبقى الموارد الطبيعية محدودة، يعتبر تثمين المنتجات المحلية وسيلة مهمة لخلق فرص اقتصادية جديدة للسكان، فبدل الاعتماد فقط على بيع المحاصيل الخام، أصبح بإمكان الفلاحين والتعاونيات تحويل هذه المنتجات إلى مواد ذات قيمة مضافة.

في أحد المسالك الترابية التي تربط بين الحقول والقرية، كان يونس، شاب في أواخر العشرينات من عمره، يقود دراجة نارية صغيرة محملة بصندوقين من ثمار الصبار التي جمعت صباح ذلك اليوم، يتوقف لبضع لحظات قرب أحد الحقول قبل أن ينزل الصندوقين ويضعهما تحت شجرة قريبة، استعدادا لنقلهما لاحقا إلى نقطة التجميع في القرية.

يونس واحد من الشباب القلائل الذين اختاروا البقاء في هذه القرى الجبلية والعمل في الفلاحة إلى جانب عائلاتهم، بالنسبة له، لم يكن القرار سهلا، فالكثير من أصدقائه غادروا المنطقة خلال السنوات الماضية متجهين نحو المدن بحثا عن فرص عمل أخرى، “المدينة كتجذب الشباب بطبيعة الحال”، يقول يونس وهو ينظر نحو الحقول الممتدة على السفوح، “لكن أنا فضلت نبقى هنا… الأرض ديالنا خاصها اللي يخدمها”.

في مناطق كثيرة من المغرب، أصبحت هجرة الشباب من القرى نحو المدن إحدى التحديات الكبرى التي تواجه الفلاحة القروية، فالأعمال الزراعية التقليدية، التي تعتمد غالبا على العمل اليدوي وتدر دخلا غير مستقر، لم تعد جذابة كما كانت بالنسبة للأجيال الجديدة.

لكن في ضواحي سيدي إفني، بدأت المبادرات المحلية تعطي للفلاحة بعدا مختلفا قد يشجع بعض الشباب على الاستمرار في العمل بالأرض، فإلى جانب مشاريع تثمين الصبار، ساهمت تجربة حصد الضباب في توفير موارد مائية إضافية وتحسين ظروف العيش في بعض القرى الجبلية، و كذلك فرص عمل إضافية.

ويرى يونس أن هذه التغيرات، وإن كانت تدريجية، قد تفتح آفاقا جديدة للفلاحة في المنطقة، “إلى كانت مشاريع كتعاون الفلاحين وكتعطي قيمة للمنتوجات المحلية، ممكن بزاف ديال الشباب يرجعو يهتمو بالأرض”، يقول الشاب وهو يعيد ترتيب الصناديق.

مع اقتراب المساء في المرتفعات الجبلية المحيطة بسيدي إفني، يعود الضباب مرة أخرى ليغطي التلال التي تنتشر عليها الحقول الصغيرة، تتحرك كتل الغيوم ببطء فوق القمم، فتختفي بعض القرى بين لحظة وأخرى قبل أن تعود للظهور من جديد بين خيوط الضوء الأخيرة، في هذا المشهد الهادئ، تبدو الجبال وكأنها تعانق السماء، بينما يواصل الفلاحون إنهاء يوم طويل من العمل في الحقول.

على سفح قريب، كان الحسين بوعلام يقف للحظة أمام حقل الصبار الذي قضى جزءا كبيرا من يومه في العناية به، يرفع نظره نحو القمة حيث تقف شبكات حصد الضباب في مواجهة الرياح القادمة من المحيط، قبل أن يقول بنبرة هادئة: “الله يعطي لكل أرض اللي يعاونها”.

بالنسبة لسكان هذه القرى الجبلية، لم يعد الضباب مجرد غيوم عابرة كما كان في الماضي، فقد أصبح اليوم موردا حقيقيا للمياه بفضل تجربة حصد الضباب التي حولت ظاهرة طبيعية مألوفة إلى مصدر للحياة في منطقة تعاني من ندرة الأمطار.

بين الحقول المزروعة بالصبار، والتعاونيات الصغيرة التي بدأت تثمن هذا المنتوج المحلي، والأنابيب التي تنقل الماء القادم من الضباب إلى القرى، تتشكل قصة مختلفة عن قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته، قصة تختلط فيها الخبرة التقليدية للفلاحين بالمبادرات البيئية المبتكرة التي ظهرت في هذه الجبال خلال السنوات الأخيرة.

وفي هذه المرتفعات التي تبدو أحيانا وكأنها تطفو فوق بحر من الغيوم، تتقاطع اليوم حكايتان تبدوان في الظاهر بعيدتين عن بعضهما، حكاية فلاحين اعتادوا منذ أجيال زراعة الأرض في ظروف قاسية، وحكاية غيوم عابرة كانت تمر فوق القمم دون أن يلتفت إليها أحد، و بين الحكايتين، كتبت هذه القرى الجبلية فصلا جديدا من حكاية قديمة عنوانها ببساطة: الزراعة فوق الغيوم.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا