هبة بريس – ياسين الضميري
مع مرور الأيام، بدأت ألاحظ وجوه الرجال الآخرين في الزنزانة، ومعها بدأت أفهم أن السجن ليس مجرد جدران وحديد، بل عالم كامل من العلاقات والقوانين غير المكتوبة، كل واحد هنا يحمل قصة لا نعرفها، وكل واحد يحاول البقاء على قيد حياته بنفسه قبل أي شيء آخر.
في البداية لم أتكلم مع أحد، الصمت كان أقوى من أي كلمة، والخوف من الخطأ أكبر من أي رغبة في الصداقة، لكن الحياة داخل الزنزانة تفرض عليك التكيف، وتعلمك أن الإنسان لا يستطيع العيش تماما في عزلة مطلقة، بدأت أراقب، أستمع، أحاول فهم الحركات والنظرات قبل أن أجرؤ على أي كلمة.
أول محادثة جرت بالصدفة، كان الرجل الذي بجانبي يحاول ترتيب سريره، سرير بالإسم فقط، وسألني بهدوء عن طقس اليوم، لم يكن السؤال مهما، لكنه كان بداية لفهم أن هناك حياة صغيرة تستمر هنا رغم كل شيء، تعلمت أن أصغي أكثر مما أتكلم، أن أفكر قبل كل رد، وأن أختبر حدود الآخرين قبل أن أبني أي علاقة.
لكن الزنزانة ليست مجرد مكان للصداقة، بل مكان للصراع أيضا، البعض يحاول فرض سيطرته، وأحيانا تتطور الأمور إلى مشاحنات صغيرة، تعلمت بسرعة أن الصبر والهدوء أقوى من الغضب، وأن أي لحظة غضب يمكن أن تتحول إلى مشكلة كبيرة.
كل يوم كان امتحانا للسيطرة على النفس، وعلى القدرة على البقاء دون أن تخسر جزءا من كرامتك أو أمانك.
مع مرور الوقت بدأت أكتشف أن هذه العلاقات الصغيرة هي ما يبقينا على قيد الحياة داخل أسوار المؤسسة، حديث بسيط، ابتسامة نادرة، نصيحة من رجل أكبر سنا، كل ذلك كان يخفف من وطأة الوحدة والعزلة، حتى أصغر لحظة تواصل كانت كمن يفتح نافذة صغيرة نحو العالم الخارجي.
كنت أتعلم أيضا أن أتوخى الحذر مع الآخرين، ليس كل من يتحدث إليك صديق، وليس كل من يبدو هادئا آمن، الزنزانة تختبر الصبر والحذر معا، وتجبرك على فهم البشر بطرق لا تتعلمها إلا خلف القضبان، مع الوقت بدأت أجد لنفسي مكانا وسط هؤلاء الرجال، مكانا لا يتعارض مع ما بقي من إنسانيتي.
لكن الحنين للعائلة لم يخف، كان يرافقني في كل لحظة، حتى وأنا أضحك أو أتحدث مع زملائي، أحيانا كانت الذكريات تطفو على السطح فجأة، تجبرني على التوقف عن كل شيء وأجلس في صمت، أستعيد صور ابنتاي، صوت أمهم، وبيتنا الصغير.
في هذه المرحلة من السجن، فهمت أن البقاء على قيد الحياة ليس مجرد الامتثال للقوانين الخارجية، بل القدرة على إدارة العقل والنفس والحنين والصراعات اليومية، السجن كان يعلمني كيف أكون إنسانا رغم كل شيء، وكيف أجد بصيص أمل حتى في أصعب الظروف.
وهكذا بدأت الحياة اليومية تتشكل، صمت، مراقبة، حذر، قليل من الضحك، قليل من الحديث، ورحلة مستمرة مع نفسي وحنيني، عشرون سنة كانت أمامي، وكل يوم هنا كان يصنع إنسانا جديدا، رجلين في رجل واحد: السجين والإنسان الذي ما زال يحلم بالعالم الخارجي.
-يتبع-
المصدر:
هبة بريس