هبة بريس-محمد زريوح
تتجسد راهناً ملامح مرحلة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الجيوسياسية بين الرباط ومدريد ، وهو ما كرّسه خوسيه مانويل ألباريس، رئيس الدبلوماسية الإسبانية، بتأكيده على أن الروابط الثنائية بلغت “ذروتها التاريخية”.
وتأتي هذه التصريحات لتعزز واقعاً ميدانياً جديداً يتسم بانسيابية المبادلات عبر المكاتب الجمركية في ثغري المحتل سبتة ومليلية، في خطوة تؤشر على انتقال الدولتين من إدارة الأزمات التقليدية إلى مأسسة “الحدود الذكية” والتعاون المؤسساتي الذي يتجاوز التحديات السيادية الكلاسيكية نحو رؤية براغماتية مشتركة.
وعلى صعيد “المعمار الأمني” ، تبرز الشراكة المغربية الإسبانية كنموذج ريادي في ضبط التدفقات العابرة للحدود، حيث انتقل التنسيق بين الطرفين من مجرد تعاون ظرفي إلى “شراكة أمنية هيكلية”.
هذا التناغم القضائي والأمني لا يقتصر فقط على احتواء موجات الهجرة غير النظامية، بل يمتد ليشكل ركيزة جيواستراتيجية لضمان الاستقرار في منطقة غرب المتوسط؛ مما يجعل من محور (الرباط-مدريد) صمام أمان ضد التهديدات الأمنية المعقدة في فضاء يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة.
وفي الشق السوسيو-اقتصادي، يعكس حجم التبادل التجاري الذي ناهز 21 مليار يورو سنوياً تحولاً في العقيدة الاقتصادية للبلدين، إذ لم تعد العلاقة محكومة بالتبعية التجارية بل بالتكامل البنيوي.
هذه الأرقام تضع الشراكة المغربية الإسبانية في مرتبة “التحالفات الاقتصادية الكبرى” على الصعيد الدولي، مما يسهم في خلق فضاء اقتصادي مندمج يتجاوز ثنائية (شمال-جنوب) نحو بناء قطب نمو متوسطي يتميز بالتنافسية العالية والقدرة على استقطاب الاستثمارات النوعية.
وتتوج هذه المسارات الاستراتيجية بالاستحقاق التاريخي المتمثل في التنظيم المشترك لـ مونديال 2030 رفقة البرتغال، وهو المشروع الذي يختزل في أبعاده العميقة تلاقي الإرادات السياسية العليا للأطراف الثلاثة.
إن هذا الحدث الكوني يمثل “دبلوماسية ناعمة” تهدف إلى صياغة هوية إقليمية جديدة قائمة على الاستقرار والازدهار المشترك، وتطوير البنى التحتية الطاقية والرقمية، بما يضمن تحويل التحديات المشتركة إلى فرص للتنمية المستدامة التي تعزز تموقع المنطقة كحلقة وصل حيوية بين القارتين الإفريقية والأوروبية.
المصدر:
هبة بريس