في قلب مدينة وجدة، وبمجرد اقتراب شهر رمضان الفضيل، يخلع سوق “باب سيدي عبد الوهاب” رداءه المعتاد ليرتدي حلة استثنائية، متحولا إلى فضاء نابض بالحياة والحركة.
هنا، تمتزج الروائح بالألوان، وتتعالى الأصوات لتشكل لوحة فنية فريدة، تؤكد أن هذا الفضاء ليس مجرد سوق للتبضع، بل هو مرآة عاكسة للتقاليد المحلية وتجسيد حي للتلاحم الاجتماعي الذي يميز عاصمة الشرق.
سيمفونية الروائح والألوان
مع بزوغ خيوط الصباح الأولى، تدب الحركة في أوصال السوق العتيق. روائح ماء الزهر والعسل الحر تقود الزوار، كدليل سياحي غير مرئي، نحو الطاولات الخشبية التي تئن تحت وطأة صنوف الحلوى الشعبية.
تتصدر “الشباكية” المشهد بوصفها “سيدة المائدة الرمضانية”، وإلى جانبها تصطف “الزلابية”، و”الكريوش”، و”المقروط”، و”سلو” في تناغم بصري يغري العين قبل البطن.
هذه الحلويات، بالنسبة للأسرة الوجدية، تتجاوز كونها مجرد أطعمة؛ إنها رموز ثقافية وشذرات من ذاكرة جماعية تعيد الأجيال إنتاجها عاما بعد عام.
داخل دكان صغير يضج بالنشاط، يقف شاب في عقده الثالث خلف أكوام “الشباكية”، يده لا تتوقف عن ملء الأكياس ووضعها على الميزان تلبية لطلبات الزبائن المتلاحقة.
يؤكد هذا البائع، والابتسامة لا تفارق محياه، أن الحركة التجارية شهدت انتعاشا ملحوظا مع قدوم الشهر الفضيل. ويشير إلى أن هذه الفترة تعد “موسم الذروة” والفرصة الذهبية للتجار لتعزيز نشاطهم الاقتصادي بعد ركود باقي شهور السنة.
الإقبال الكثيف لا يعكس فقط الرغبة في الأكل، بل يحكي تحولات اجتماعية. تقاطع سيدة حديث البائع لتطلب كمية من “المقروط”، موضحة بلكنة وجدية أصيلة أن العائلات كانت في السابق تخصص أياما لإعداد هذه الحلويات منزليا كطقس مقدس.
وتستدرك قائلة: “هذه السنة لم أجد الوقت الكافي بسبب التزامات العمل، فلجأت إلى السوق”. شهادتها تختزل واقعا جديدا تعيشه الأسر، حيث تتداخل متطلبات الحياة العصرية مع الإصرار على التشبث بالتقاليد، فيكون السوق هو الحل الوسط للحفاظ على نكهة رمضان.
“الكعك الوجدي”.. سفير الهوية
وإذا كانت الشباكية والمقروط قاسما مشتركا في المغرب، فإن “الكعك الوجدي” يظل بصمة حصرية للهوية المحلية. يحظى هذا المنتج بشهرة تتجاوز حدود المدينة ليمتد الطلب عليه إلى مدن مغربية أخرى، بفضل تركيبته الفريدة من الأعشاب والمنسمات.
الكعك هنا ليس مجرد مخبوزات، بل هو “علامة مسجلة” للمطبخ الوجدي، يربط الماضي بالحاضر، ويشهد على براعة النساء الوجديات في صون الوصفات المتوارثة.
لا يكتمل المشهد دون الطوابير المصطفة أمام بائعي الزيتون بألوانه المتعددة، والتوابل الفواحة، والخضر والفواكه. هكذا، يتجاوز سوق “باب سيدي عبد الوهاب” وظيفته الاقتصادية الصرفة ليغدو فضاء اجتماعيا وثقافيا بامتياز.
في زوايا السوق، تتلاقى الأحاديث الجانبية، وتتشابك الضحكات، ويغتنم الشباب الفرصة لاكتشاف تراثهم الغذائي. إنه مسرح مفتوح للتفاعل الإنساني، يختصر قصة مدينة بأكملها؛ مدينة تُصر على أن تحافظ على أصالتها وتعيد إنتاجها في كل رمضان، لتبقى وجدة وفية لتراثها وراسخة في وجدان أبنائها.
المصدر:
العمق