قال أطباء مغاربة إن شهر رمضان يشكّل فرصة صحية ثمينة للمدخنين من أجل الإقلاع عن التدخين، باعتباره فترة يمتنع فيها الصائم لساعات طويلة يوميًا عن استهلاك السجائر، مبرزين أن “الامتناع القسري والمؤطَّر بدافع ديني يمكن أن يساعد على كسر الحلقة السلوكية المرتبطة بالتدخين، والتخفيف التدريجي من المواد التي تتسبب في الإدمان”.
ومع حلول الشهر الفضيل تبرز توصيات الأخصائيين بضرورة استثمار التحول الجذري الذي يطرأ على النمط الحياتي للمغاربة، إذ يتحول الصيام من شعيرة تعبدية إلى مختبر واقعي لترميم الصحة، مشددين على أن “الانقطاع الإجباري عن النيكوتين لفترة تتجاوز 15 ساعة يومياً كفيل بكسر حلقات الإدمان العضوي ووضع الجسم في حالة إعادة ضبط فيزيولوجية”.
محمد أعريوة، أخصائي في الطب العام، قال إن “شهر الصيام يشكّل فرصة حقيقية للراغبين في الإقلاع عن التدخين وغيره من أشكال الإدمان، على اعتبار أن هذه الشعيرة تفرض امتناعاً يومياً يمتد لساعات طويلة، وهو ما يساعد الجسم على التخفف من الاعتماد التدريجي على النيكوتين”، موضحاً أن “هذا الانقطاع اليومي يساهم في كسر بعض العادات المرتبطة بالتدخين، خاصة تلك المتصلة بالروتين اليومي أو بالحالات النفسية كالتوتر والقلق”.
وأضاف أعريوة، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الصيام يخلق مسافة زمنية بين الشخص والمادة المُدمن عليها، وهو ما يمنح المدخن فرصة لإعادة ترتيب سلوكياته الصحية، إذا توفرت لديه الرغبة الصادقة في التغيير”، مبرزا أن “الامتناع الإجباري خلال النهار يمكن أن يشكل منطلقاً عملياً لوضع خطة تدريجية للإقلاع النهائي، بدل الاكتفاء بالتوقف المؤقت”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “الإدمان لا يقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل يرتبط أيضاً بعوامل نفسية وسلوكية واجتماعية، ما يجعل العزيمة عنصراً حاسماً في مسار العلاج”، مضيفا أن “نجاح تجربة الإقلاع في رمضان يتطلب وعيا بطبيعة الإدمان، ودعماً من المحيط، مع الحرص على تعويض السلوكيات السلبية بعادات صحية بديلة، مثل ممارسة الرياضة الخفيفة بعد الإفطار أو الانخراط في أنشطة روحية واجتماعية”.
وأكد أخصائي الطب العام أن “بعض المدخنين يقعون في خطأ تعويض ساعات الانقطاع بالإفراط في التدخين مباشرة بعد أذان المغرب، وهو ما يُفقد الصيام أثره الإيجابي المحتمل على الصحة”، مشددا على “أهمية توزيع الجهد العلاجي على كامل الشهر، عبر تقليل عدد السجائر تدريجياً، وتجنب المحفزات التقليدية المرتبطة بالتدخين، شريطة توفر إرادة حقيقية من أجل القطع مع مرحلة الإدمان”.
وأشار أعريوة إلى أن “شهر رمضان ينبغي أن يُنظر إليه كفرصة لإعادة بناء نمط حياة صحي متكامل، لا كمجرد فترة انقطاع مؤقت”، خالصا إلى أنه “إذا اقترنت الرغبة الشخصية بخطة واضحة ودعم مناسب يمكن أن يتحول الصيام إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو التحرر من الإدمان وتحسين جودة الحياة على المدى البعيد”.
الطيب حمضي، طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية، صرّح بأن التدخين يُعدّ من أعقد أشكال الإدمان، لأنه يجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة: إدمان جسدي مرتبط بالنيكوتين، وإدمان نفسي يتغذى من ربط السيجارة بلحظات الراحة أو تخفيف التوتر، ثم إدمان سلوكي يتمثل في الحركات والعادات المصاحبة لفعل التدخين، معتبراً أن اختزال المشكلة في النيكوتين وحده لا يكفي لفهم صعوبة الإقلاع، لأن المدخن يكون أسير منظومة متكاملة من الاعتياد الجسدي والنفسي والسلوكي.
وأضاف حمضي، ضمن تصريحه لجريدة هسبريس، أن “محاولات الإقلاع غالباً ما تتخللها انتكاسات”، مبرزا أن “الدراسات تشير إلى أن المدخن قد يفشل في المتوسط 5 إلى 7 مرات قبل أن ينجح نهائياً في التوقف”، وأكد أن “هذه الإخفاقات لا ينبغي أن تُفهم على أنها عجز دائم، بل هي مراحل طبيعية في مسار العلاج”، مشددا على أهمية “المثابرة وعدم الاستسلام بعد أول محاولة فاشلة”.
وأوضح المتحدث ذاته أن الإحصاءات تبين أن نسبة مهمة من الذين يقلعون عن التدخين يعودون إليه خلال الشهر الأول، ما يعكس صعوبة المرحلة المبكرة من الانقطاع، غير أن فرص النجاح ترتفع بشكل ملحوظ كلما طالت مدة الامتناع، لافتا إلى أن الاستمرار ثلاثين يوماً دون تدخين يضاعف حظوظ الإقلاع الدائم، سواء تم التوقف بشكل فجائي أو تدريجي، بحسب الحالة الفردية لكل مدخن.
وفي ما يتعلق بشهر رمضان قال الطبيب ذاته إن “هذه المناسبة الدينية تمثل فرصة ذهبية للإقلاع عن التدخين، إذ يمتنع الصائم لساعات طويلة يومياً عن السيجارة بدافع الإيمان والانضباط، ما يعني أنه ينجح فعلياً في كسر جزء مهم من الحلقة السلوكية والجسدية للإدمان”، مورداً أن “استثمار هذا الامتناع اليومي وتحويله إلى قرار دائم يمكن أن يكون نقطة تحول حاسمة في حياة المدخن”.
وأبرز الباحث في السياسات الصحية أن “التدخين يظل عامل خطر رئيسياً للإصابة بالسرطانات وأمراض القلب والشرايين وغيرها من الأمراض المزمنة”، داعيا إلى الاستعانة بالمواكبة الطبية عند الحاجة، خاصة في ظل ما قد يرافق الانقطاع من صداع وتوتر واضطرابات في النوم، ولا سيما عند تزامن الحرمان من النيكوتين مع تقليل استهلاك الكافيين خلال رمضان.
المصدر:
هسبريس