احتضنت مدينة نواكشوط، عاصمة موريتانيا، فعاليات الملتقى السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، الذي يشرف عليه العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، وذلك أيام 10 و11 و12 فبراير الجاري، تحت شعار: “إفريقيا وصناعة الأمل: لا يأس من رحمة الله”. وقد جاء هذا الشعار في سياق إفريقي وإقليمي بالغ الدقة، حيث تتقاطع التحديات الأمنية مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتزايد فيه الحاجة إلى خطاب يعيد الثقة في المستقبل ويحصّن المجتمعات من عوامل التفكك واليأس.
في كلمته التأطيرية، أكد الشيخ عبد الله بن بيه أن الأمل في الغد ليس ترفًا فكريًا ولا مجرد شعار معنوي، بل ضرورة ملحّة ومسار عملي يستمد روحه من قيم الرحمة والرجاء والثقة بالله. فالأمل، كما بيّن، ليس انتظارًا سلبيًا لتحسن الظروف، وإنما فعل إرادي يقوم على العمل والإصلاح والتخطيط. وهو في العمق تعبير عن إيمان عميق بأن المستقبل يُصنع بالإرادة الجماعية وبترسيخ القيم التي تعيد للإنسان توازنه الداخلي وقدرته على البناء.
وقد شدد المؤتمر على أن إصلاح القلوب هو المدخل الأساس لإصلاح المجتمعات. فالتحولات الكبرى لا تبدأ من القرارات السياسية وحدها، ولا من البرامج الاقتصادية فحسب، بل من إعادة بناء الضمير الإنساني. إن القلب، حين يمتلئ بالرحمة، ينعكس ذلك عدلًا في السلوك، وتضامنًا في المجتمع، وانضباطًا في المؤسسات. أما حين يستبد به الحقد أو اليأس أو الأنانية، فإن ذلك يتجسد في صراعات ونزاعات تعرقل مسارات التنمية.
في هذا الإطار، تم التأكيد على أن الإسلام الأصيل، في جوهره الروحي والحضاري، يجعل من القلوب مفتاحًا لبناء مجتمعات الحب والتراحم والازدهار. إنه إسلام يربط بين الإيمان والعمل، ويجعل الأخلاق قاعدة للعمران، ويؤسس لفكرة أن تزكية النفس شرط لنهضة الأمة. فحين يُفهم الدين باعتباره منظومة قيمية تزرع الرحمة والتعاون والعدل، يصبح قوة دافعة نحو الاستقرار والتنمية. وهكذا يتحول الإيمان من مجرد ممارسة شعائرية إلى طاقة أخلاقية تسهم في إصلاح الواقع.
وفي المقابل، ناقش المؤتمر مخاطر اختزال الدين في مشروع سياسي يسعى إلى السلطة دون امتلاك رؤية حقيقية للبناء. فحين يُختزل الدين في أداة للوصول إلى الحكم، ويفقد بعده التربوي والروحي، يتحول إلى وسيلة تعبئة واستقطاب. وأكد المتدخلون أن نمط الحكم الذي يرفع الشعارات الدينية دون أن يؤسس لثقافة العمل والإنتاج والعدل الاجتماعي، لا يستطيع أن يحقق نهضة حقيقية، لأن التنمية لا تقوم على الخطاب، بل على بناء الإنسان المؤهل علميًا وأخلاقيًا.
إن الفرق بين الإسلام الأصيل الذي يدعو إلى إصلاح القلوب، وبين توظيف الدين لأغراض سياسية ضيقة، يكمن في الغاية والمنهج. فالإسلام في بعده الحضاري يسعى إلى صناعة الإنسان الصالح الذي يبني مجتمعه بإتقان ومسؤولية، بينما تسعى بعض القراءات السياسية إلى تحويل الدين إلى شعار تعبوي، يجعل من السلطة هدفًا في حد ذاته، دون مشروع تنموي شامل يحقق الكرامة والعدالة للمواطنين. ومن هنا جاءت الدعوة إلى إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي للدين باعتباره أساسًا لأي إصلاح مستدام.
كما عرفت الجلسة الافتتاحية كلمة أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الذي دعا إلى استعادة أخلاق السلم في حياتنا اليومية، والعمل على زرع الخير في النفوس عبر محاربة الأنانيات داخل ذواتنا. وأكد أن السلم لا يُبنى فقط عبر الاتفاقات السياسية، بل عبر ثقافة يومية قائمة على الاحترام المتبادل، وضبط النفس، والتسامح، والتعاون. فالمجتمع الذي ينتصر على أنانيته الداخلية يكون أقدر على مواجهة تحدياته الخارجية.
وقد أبرزت مداخلات المشاركين أن القارة الإفريقية، رغم ما تواجهه من نزاعات وتحديات، تمتلك من الإمكانات البشرية والطبيعية ما يؤهلها لأن تكون فضاءً لصناعة الأمل لا مسرحًا لليأس. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس يتطلب رؤية متكاملة تربط بين الإصلاح القيمي والتنمية الاقتصادية، وبين التعليم الجيد وترسيخ ثقافة السلم، وبين محاربة الفقر وتعزيز الكرامة الإنسانية.
إن شعار “لا يأس من رحمة الله” يحمل رسالة روحية عميقة في زمن تتكاثر فيه أسباب الإحباط. فاليأس يُضعف الإرادة ويغلق آفاق التفكير، بينما الرجاء يفتح المجال للإبداع والعمل. ومن هنا، فإن صناعة الأمل تعني إعادة الثقة في الذات الإفريقية، وتشجيع الشباب على المبادرة، ودعم المشاريع التي تعزز الاقتصاد المنتج، وتطوير التعليم الذي يحرر العقول من التطرف والانغلاق.
كما أكد المؤتمر أن مواجهة الإرهاب والتطرف لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية وحدها، بل ينبغي أن تشمل معالجة الجذور الفكرية والنفسية والاجتماعية التي تغذي هذه الظواهر. فالشباب الذي يجد نفسه في بيئة يسودها اليأس والتهميش يكون أكثر عرضة للانجراف وراء خطاب العنف. أما حين تتوفر له فرص التعليم والعمل والانخراط الإيجابي في المجتمع، فإنه يتحول إلى عنصر بناء لا عنصر هدم.
لقد خلص الملتقى السادس للمؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم إلى قناعة واضحة مفادها أن مستقبل إفريقيا لن يُصنع بالشعارات، بل ببناء الإنسان، وأن إصلاح القلوب ليس خطابًا وعظيًا مجردًا، بل استراتيجية حضارية بعيدة المدى. فالقلب الذي يتربى على الرحمة يرفض الظلم، والقلب الذي يتشبع بالأمل يرفض الاستسلام، والقلب الذي يتحرر من الأنانية ينفتح على التعاون.
وهكذا يتأكد أن “إفريقيا وصناعة الأمل” ليس مجرد عنوان لدورة من دورات المؤتمر، بل رؤية لمشروع حضاري متكامل، يجعل من الإيمان قوة للعمل، ومن الأخلاق أساسًا للتنمية، ومن الرجاء طاقةً لمواجهة التحديات. إن القارة قادرة على أن تتحول من فضاء أزمات إلى فضاء فرص، إذا ما جعلت من إصلاح الإنسان أولوية قصوى، ومن تعزيز السلم خيارًا استراتيجيًا، ومن محاربة الأنانيات داخل النفوس خطوة أولى في طريق بناء مجتمعات يسودها الحب والتراحم والازدهار.
المصدر:
هسبريس