آخر الأخبار

وعود التغيير قبل رمضان تحفّز الالتزام السلوكي وتعزّز التماسك الاجتماعي

شارك

يشكل اقتراب شهر رمضان بالنسبة للعديد من المغاربة محفزًا للتغيير الذاتي والاجتماعي، إذ يتزايد في هذه الفترة الاهتمام بإطلاق وعود ذاتية والتعبير عن نوايا لإصلاح النفس وإعادة ترتيب السلوكيات والعلاقات، بحيث يوفر الشعور بالقدسية والروحانية خلال هذا الشهر دافعًا نفسيًا وداعمًا يشجع على الالتزام بالوعود وتبني تغييرات إيجابية مستدامة.

ويرى مهتمون أن هذه الالتزامات الذاتية تمثل آلية لبناء التماسك الاجتماعي وتعزيز الثقة بالنفس، إذ تكشف عن قدرة الفرد على تحويل الالتزام الديني والضغط الجماعي إلى أدوات للإصلاح الذاتي، رغم أن تحقيق أي وعد أو تغيير سلوكي يبقى وفقهم عملية نفسية معقدة يمكن أن يؤدي اختلال أحد أضلاعها إلى صراع ذاتي واستنزاف نفسي.

طقوس انتقالية

في هذا الصدد قال خالد التوزاني، أستاذ جامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، إن “الوعود بالتغيير قبل رمضان تُعد جزءًا من ‘الطقوس الانتقالية’ التي تكتسب بعدًا إيجابيًا في السياق المغربي بوصفها آلية لبناء ‘التماسك الاجتماعي’، لأن العودة إلى التقاليد والأعراف المغربية، وعلى رأسها الالتزام الديني، تمثل مدخلاً لتعزيز الروابط العائلية والمجتمعية؛ كما تعكس هذه الظاهرة قدرة العديد من المغاربة على تحويل الضغط الاجتماعي إلى قوة دافعة نحو التحسن، إذ تكون ‘البركة’ الرمضانية مصدر إلهام لتغييرات حقيقية، كما في حالات الإقلاع الناجح عن التدخين أو غيره من صنوف الإدمان”.

وأضاف التوزاني، متحدثًا لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “الوعود ترتبط نفسيًا بآليات الدفاع عن الذات من خلال محاولة تعديل السلوك، إذ يوفر رمضان ‘دفعة نفسية’ تقلل من التوتر وتعزز الثقة بالنفس، ولذلك يمكن اعتبار هذه الوعود ‘بداية مشجعة’، بحيث ينجح بعض الأفراد في تحويلها إلى عادات دائمة”.

وتفاعلا مع سؤال حول سر ارتباط التغيير عند عدد كبير من المغاربة بزمن ديني محدد أورد المتحدث ذاته أن “هذا الارتباط ينبع من طبيعة ‘الزمن الدوري’ في الثقافة المغربية الإسلامية، التي ترى في رمضان ‘زمنًا مقدسًا’ يجدد الطاقة الروحية، لكنه أيضًا يحمل إمكانيات هائلة للتغيير المستدام”، مردفا: “وحيث إن الصيام يكون جماعياً فإن ذلك يساعد على التغيير، لأن المجتمع المغربي يعتمد على ‘الإطار الجماعي’ أكثر من الفردي، حيث تشكل الطقوس الدينية مثل صلاة التراويح أو الإفطار الجماعي بيئة داعمة تجعل التغيير أكثر جاذبية”.

وشرح الأكاديمي نفسه: “لذلك فإن العديد من الشباب المغاربة يرون في رمضان ‘فرصة لإصلاح النفس وترميم الذات’، ما يجعل هذا الشهر مناسبة لتغييرات إيجابية، مثل تحسين العلاقات الأسرية، والانخراط في الأعمال الخيرية، أو العودة إلى الله. هذا الارتباط بالزمن الديني ليس قيدًا، بل ميزة، إذ يوفر ‘دورة سنوية’ من الفرص لتدارك ما فات، ويمكن أن يتحول إلى دافع داخلي مع الوقت، بدليل استمرار بعض الشباب في الحفاظ على التغييرات بعد رمضان”.

وخلص الأستاذ الجامعي ذاته إلى أن “شعور الناس بالإعلان عن نوايا التغيير قبل رمضان يعزز ‘البناء الاجتماعي للهوية المغربية المشتركة’، لكنه أيضًا يولد ديناميكية إيجابية من التشجيع المتبادل والدعم الجماعي، إذ يشكل هذا الإعلان ‘طقسًا اجتماعيًا’ يبني قواسم مشتركة قوية، ويتجلى ذلك في حملات وسائل التواصل الاجتماعي المغربية من خلال نشر ‘هاشتاغات’ تدعو إلى التغيير الإيجابي في السلوك خلال رمضان”، وزاد: “يبدو أن هذا الإعلان هو ما يحول الوعود من فردية إلى جماعية، ويعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة”.

عملية سيكولوجية

من جهته أوضح محمد حبيب، أخصائي اجتماعي وباحث في علم النفس، في حديث مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “أغلب الوعود التي يطلقها الناس قبل رمضان لتحقيقها في هذا الشهر هي ذات طابع ديني أو شخصي لتصحيح ضعف ما في شخصية الفرد أو تغيير سلوك أو عادة ما، وبالتالي فإن النفحة الروحية لهذا الشهر تُعد علاجًا ذاتيًا بحكم القدسية التي يحتلها”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “موضوع الوعود الذاتية من الناحية السيكولوجية يتقاطع مع علم النفس المعرفي، والتنظيم الذاتي، ونظريات الإرادة الذاتية، إذ إن الوعود مع الذات هي التزامات داخلية يعبر عنها الفرد لنفسه، وهي ليست مجرد نوايا عابرة، بل قرارات ذات بعد أخلاقي ونفسي”، مبرزًا أن “الذات هنا هي الفاعل والمراقب والحكم كذلك، وبالتالي فإن الإشكالية لا تظهر عند وضع الوعد، بل عند تنفيذه والوفاء به”.

وسجل الباحث ذاته أن “الأمر يتعلق أيضًا بالوظائف الذاتية، التي هي عبارة عن منظومة من العمليات النفسية، من بينها أولًا التحكم في النفس، والتخطيط، والانتباه، وتأجيل الإشباع، والمراقبة الذاتية، وهذه الوظائف تتكامل وتتداخل في ما بينها، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على قدرة الفرد على الوفاء بالوعود التي قطعها على نفسه”، لافتًا إلى أن “هناك خطأ شائعًا يكمن في الاعتقاد بأن عدم الوفاء بالوعد ناتج عن ضعف الإرادة، بينما علميًا الصورة أكثر تعقيدًا”

وزاد حبيب شارحًا: “تنفيذ أي وعد أو تغيير يتطلب أكثر من مجرد النية، إذ إن الانتقال من ‘أريد’ إلى ‘أفعل’ يتم من خلال وظائف تنفيذية، وهناك يحدث صراع بين ذاتين؛ ذات عاقلة وذات أخرى تبحث فقط عن الراحة واللذة، وهذا الصراع يسمى الإرهاق التنفيذي”.

وأوضح الأخصائي الاجتماعي نفسه أن “انتصار الذات الثانية على الأولى يؤدي إلى خرق الوعد وعدم حدوث التغيير المأمول، كما أن الوعود المتكررة المكسورة لها انعكاس على شخصية الفرد وتكوينه النفسي، إذ يؤدي ذلك إلى تآكل الثقة بالنفس وبناء صورة ذاتية سلبية عن الذات، وهنا يتم الانتقال من الفشل السلوكي إلى الفشل الهوياتي”، موردا أن “تحقيق التغيير والوفاء بالوعود الذاتية يتم عبر الإدارة الذكية للقدرات الذاتية والتنظيم البنيوي للسلوك، أي إعادة بناء العلاقة مع الوعد أو تقليصه، واعتبارها تجربة تحتمل النجاح والفشل دون السقوط في إرهاق النفس وجلد الذات”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا