هل نحن فعلًا نعيش عصر “التحوّل الرقمي”، أم نعيش تحت تأثير حملة تسويقية كبرى أُعيد فيها تغليف العالم نفسه بكلمات برّاقة؟ هل ريادة الأعمال فعل تحرّر اقتصادي ومغامرة إنسانية، أم مجرد آلية جديدة لإلقاء مسؤولية الفشل على الأفراد بدل مساءلة المؤسسات؟ ولماذا تُقدَّم لنا الثقافة اليوم في قالب عروض، ومهرجانات، و”محتوى” قابل للاستهلاك، أكثر مما تُقدَّم باعتبارها فعل نقد ومساءلة وقلق فكريّ؟
من خلال هذه الثلاثية: التحوّل الرقمي، ريادة الأعمال، ومسرح الثقافة، يبدو أن الوهم لم يعد هامشًا، بقدر ما أصبح هو “المنتَج” الأساسيّ الذي يُباع للعموم: وُعود بحياة أذكى، وفرص عمل بلا حدود، وفضاءات ثقافية مفتوحة للجميع. لكن بأي ثمن، وعلى حساب ماذا، ولصالح مَن؟
ما زال الخطاب الرسمي يكرر بثقة حديثه عن “التحوّل الرقمي” في الإدارات، بينما المواطن ما زال يتنقّل بين شبابيك: “شباك 3″ و”شباك 7” حاملاً ملفًا أزليًا من الأوراق المكررة. تدخل للموقع الإلكتروني للإدارة فتكتشف أن أول خطوة في المسار الرقمي العظيم هي: تحميل استمارة PDF من أجل طباعتها، وملئها يدويًا، ثم إرجاعها ورقية كما هي إلى نفس الشباك الذي يفترض أن التحوّل الرقمي ألغاه من الوُجود.
يُقال لك بفخر: “الآن أصبحت الخدمة متاحة عبر المنصة الإلكترونية”. تدخل المنصة، تسجّل، تؤكد الإيميل، تخلقُ كلمة سر مُعقدة، تجتاز اختبار “أثبت أنك لست رُوبُوتًا”، ترفع كل الوثائق المطلوبة، ثم تظهر لك رسالة هادئة: “المرجو التوجه إلى أقرب إدارة مرفوقًا بنسخ ورقية من نفس الوثائق”؛ هنا تفهم أن التحوّل ليس رقميًا بقدر ما هو مضاعفة للمسار القديم: نفس الإجراءات، لكن مضاف إليها طبقة إضافية من الضغط النفسي.
وفي الاجتماعات الرسمية، تُقدَّم عروض “باوربوينت” أنيقة عن خارطة طريق التحول الرقمي، و”حوكمة البيانات”، ومؤشرات الأداء الرئيسية. يتم استعراض صور لموظفين يبتسمون أمام شاشات ضخمة، بينما الواقع في المكاتب هو جهاز قديم لا يتحمّل حتى فتح ملف “إكسل” دون أن ينهار، وشبكة إنترنت تتوقف كل عشر دقائق، وموظف واحد يعرف كلمة السر للنظام، غائب حاليًا في إجازة سنوية. وبينما تُرَدّدُ العروض كلمات مثل “الأتمتة” و”الخدمات عن بُعد”، يظل المواطن مجبرًا على الحضور لإثبات أنه موجود جسديًا، رغم أن كل بياناته مخزّنة سلفًا في عشر قواعد بيانات متفرقة لا “تتحدث” مع بعضها.
هكذا، يتم بيع الوهم بوصفه إنجازًا: أرشيف ورقي ضائع استُبدل بأرشيف رقمي ضائع أيضًا. أضحى نظام الانتظار المعتمد قائمًا على “طوابير افتراضية” تُدار عبر منصة رقمية تتعطّل دون سابق إنذار بدعوى الضغط، ثم يُعاد تفعيلها في أوقات غير معقولة، كالثالثة صباحًا. ويُمنح الموعد لمن ينجح في التسجيل أولًا، بما يكرّس تمييزًا فعليًا بين المواطنين على أساس القدرة التقنية. أمّا الأفراد الذين لا يتوفر لديهم اتصال مستقر بالإنترنت أو تجهيزات رقمية ملائمة، فيتمّ استبعادهم ضمنيًا من الاستفادة من الخدمة. وبذلك، ينتقل الولوج إلى المرفق العام من كونه حقًا مكفولًا بموجب مبدأ المساواة إلى امتياز تقني مشروط، في تعارض صريح مع مقتضيات العدالة الإدارية وتكافؤ الفرص.
ما نسمّيه “تحوّلًا رقميًا” في كثير من الحالات هو مجرد رقمنة للبيروقراطية: بدل ختْمٍ واحد على ورقة، أصبح لدينا ثلاث موافقات إلكترونية، وبدل رحلة واحدة إلى الإدارة، أصبح لدينا رحلة مع المنصة ثم رحلة إلى الإدارة، وبدل “هذا الملف ناقص”، أصبح لدينا: “هناك خطأ لا نعرف مصدرهُ، يرجى الاتصال بالإدارة”.
لذلك، ما زال من الممكن، وبكامل الجدية، الحديث عن التّحوّل الرقمي لسنوات قادمة، ما دامت المقاربة هي نفسها: واجهات إلكترونية حديثة تغطّي عقلية قديمة، ومنصّات متقدمة لخدمة مسار إداري متخلّف، و”استراتيجية رقمية” تنتهي دائمًا إلى نفس المشهد: مواطن يحمل ملفّه الورقي تحت الإبْط، ينتظر دورَهُ أمام شبّاك رقم 7، تحت ملصق كبير يُعلِنُ بكل ثقة: “خدماتُنا الآن… رقمية”.
لا يتوقف الخطاب الرسمي أيضًا عن ترديد عبارة “تشجيع الشباب على ريادة الأعمال”، وكأن كل شاب وشابة يحمل في جيبه مشروعًا ينتظر فقط ابتسامة من الإدارة لينطلق. تُنظَّم منتديات، وندوات، وأسابيع “ستارت آب”، ويُدعى الشباب للاستلهام، والتحفيز، والتصفيق، ثم يعودون بعد ذلك إلى نقطة الصفر: مواجهة قوانين صُمِّمت بعقلية ترى في كل مشروع جديد خطرًا محتملًا، بدل أن تراه فرصةً اقتصادية.
تُقالُ لك الجملة السّحرية: “لا تنتظر الوظيفة، اصنع وظيفتك”. جملة أنيقة جدًا في العرض التقديمي، لكنها على الأرض تعني: ادفع الرسوم، اجمع التراخيص، وقّع الاستمارات، انتظر اللجنة، انتظر التأشير، انتظر التفتيش، انتظر الرد. الدولة تريدك “مُبادرًا”، لكن بشرط أن يكون مشروعك منضبطًا تمامًا لمسار إداري معقّد لدرجة أنه يحتاج لشركة استشارية فقط لفهم نموذج التصريح.
في المؤتمرات، تُقدَّم تجارب شباب ناجحين باعتبارها “قصصًا ملهمة”، لكن لا أحد يذكر أن نصف وقتهم ضاع في الجري وراء التراخيص، والنصف الآخر في محاولة فهم التزاماتهم الضريبية المتغيرة، والنصف الثالث… نعم، هناك نصف ثالث، في طمأنة الأسرة والمحيط أن المشروع لم يمت بعد. في حين أن المنظومة ترفع شعار “مواكبة الشباب”؛ لكنها عمليًا تمارس أفضل أشكال “الانتقاء الطبيعي”: من ينجو من التعقيدات يحق له أن يحلُم.
هكذا نعلن برامج «مواكبة وتمويل المشاريع الشابة»، ثم نحاصر الشاب بشروط تعجيزية: نطالبه بخطة عمل كأنه بنك استثماري، وبضمانات شخصية كأنه ملياردير، وبخبرة سابقة في مجال لم نفتح له بابه أصلًا إلا عبر هذا التمويل. وإذا تجرأ وطلب تبسيطًا في المساطر، يقال له: “هذه إجراءاتٌ لحمايتكَ”. حماية من ماذا بالضبط؟ من نجاحه المحتمل؟ من قدرته على خلق قيمة دون المرور عبر طقوس البيروقراطية الإلزامية؟
المفارقة أن الخطاب العام يتحدث عن “روح المبادرة” و”دينامية الاقتصاد”، بينما الواقع يعاقب أي محاولة حقيقية للخروج من صفّ الباحثين عن وظيفة إلى صفّ صانعي الوظائف. تراهن الدولة على الشباب، وهي في الواقع، تطلب منهم أولاً إثبات قدرتهم على الصّبر على نظام إداري لم يُصمّم أصلًا ليستوعب من يتحرك بسرعة أكبر منه. نعم، يمكننا أن نواصل الحديث بإسهاب عن “تشجيع الشباب على ريادة الأعمال”؛ فالموضوع مادة مثالية للخطابات والاستراتيجيات والوثائق البرّاقة؛ لكن ما لم نحول هذا التشجيع من شعار نرفعه في قاعة مكيّفة إلى إعادة تصميم حقيقية للقوانين والمساطر والضرائب والعقليات، سيظل المسار واضحًا: ندعو الشباب إلى إنشاء مشاريع، ثم نتركها تختنق، وبعدها نسأل الشباب أنفسهم ببراءة: “لماذا لا تبادرُون؟”.
يعشق الخطاب الرسمي جملة “دعم الثقافة والفنون”، تُكتب بخط عريض على اللافتات، ويتمّ ذكرها في كل استراتيجية وطنية، وتتصدر المقدمات في نشرات الأخبار؛ يبدو الأمر وكأننا نعيش في عصر ذهبي للإبداع، لكن ما إن تقترب من الواقع حتى تكتشف أن أغلب الميزانية تذهب إلى حفل الافتتاح والديكور والسجاد الأحمر، بينما يعود الفنان إلى بيته بدعوة مجانية وصورتين على إنستغرام.
نُنظّم “مواسم ثقافية كبرى” ونفتتحها بخطب مطوّلة عن دور الفن في بناء الإنسان، ثم نحصر الثقافة في ثلاثة مشاهد ثابتة: نقصّ شريطًا، نقدّم فقرة موسيقية سريعة، ونلتقط صورًا لمسؤولين يصفقون بجدّية مدروسة. بعد ذلك نطفئ الأضواء حرفيًا ومجازيًا؛ نترك القاعات فارغة، وتبحث الفرق الفنية عن مكان للتدريب، وتنتظر المكتبات قارئًا لا يأتي، بينما تواصل الحسابات الرسمية نشر عبارة: “نجاح باهر للدورة الحالية”. هكذا، يتحوّل الفنان، في هذا السياق، إلى “ديكور بروتوكولي”؛ نستدعيه عند الحاجة لملء الفراغ بين خطابين، أو لتلطيف أجواء ندوة سياسية، ثم نشكره بكلمة عامة: “نشكر السادة الفنانين على مساهمتهم القيّمة”، مساهمة لا تُترجم غالبًا إلى أجر عادل، أو عقد واضح، أو استمرارية في الدعم. نقولُ له: “اعتبر مشاركتك دعمًا للثقافة”، وكأن لقمة عيشه تأتي من التصفيق والابتسامات لا من عمله الذي يعتبره الجميع مهمًّا… “نظريًا”.
أما البنية التحتية الثقافية، فغالبًا ما يتمّ التعامل معها بمنطق الحملات الانتخابية: ترميم مسرح هنا، تركيب لوحة “مركز ثقافي” هناك، افتتاح مكتبة لا تملك ميزانية لشراء كتب جديدة، ثم التقاط صورة جماعية أمام الباب. يقال إن “الثقافة رافعة للتنمية”، لكن لا أحد يجرؤ أن يعترف أن هذه الرافعة نفسها تعمل بدون خطة جادّة، وبدون احترام حقيقي لمن يتحمّل عبء خلق المحتوى الثقافيّ على أرض الواقع.
تتكرر كلمة “صناعة ثقافية” في الوثائق الاستراتيجية، لكنها في الواقع تشبه كثيرًا “الصناعة اليدوية”: يعتمد الفنان على اجتهاده الفردي، ويموّل عمله من جيبه، ويعيش بلا أي ضمان اجتماعي. نطالب الفنان أن يكون مبدعًا ومسوقًا ومديرًا ماليًا وخبيرًا قانونيًا في الوقت نفسه، ثم نحمّله وحده تبعات أي فشل. وعندما يحقق أي نجاح، ولو كان شكليًا، تنسبه الجهة المنظمة إلى “رؤيتها”. هكذا نحول الفنان إلى مجرد تذييل جميل في تقرير سنوي.
من السهل جدًا أن نرفع شعار “دعم الثقافة والفنون”، وأن نكرر العبارات المنمّقة عن “الهوية” و”الذاكرة” و”القوة الناعمة”. الأصعب أن نتعامل مع الثقافة قطاعًا حقيقيًا: نرصد له ميزانية شفافة، ونضع للفنانين إطارًا قانونيًا واضحًا، ونبني بنية تحتية مستمرة لا موسمية، ونتخذ قرارًا سياسيًا صريحًا يقول إن الفن ليس مجرد فقرة ترفيهية في حفل رسمي. إلى أن نفعل ذلك، سيظل المشهد كما هو: مهرجانات براقة، تصفيق غزير، صور جميلة، وثقافة تدبّر أمرها وحدها في الكواليس.
أنتهي بحديثي إلى هذا السؤال: هل نحن فعلاً نغيّر الواقع، أم أننا فقط نتدرّب على التكيّف مع أوهامه الجديدة؟ التحوّل الرقمي الذي يُباع لنا مثل قَدرٍ تصعب مقاومته، ريادة الأعمال التي تُقدَّم بوصفها طريقًا فرديًا للخلاص، ومسرح الثقافة الذي يَعِدُنا بالمعنى عبر عروض سريعة الزوال… كلّها قد تتحوّل، إذا لم ننتبه، إلى آليات لصناعة الرّضا الزائف أكثر مما هي أدوات لتحرير الإنسان.
المطلوب اليوم ليس التصفيق لهذه الشعارات، وإنما امتلاك شجاعة طرح الأسئلة التي تُفسد “العَرْض”: ماذا نخسر مقابل كلّ هذه الوعود؟ وأي نوع من البشر تريد هذه المنظومات أن تصنع منّا؟ متى نحسم الأمر فنحوّل الوهم من فرجةٍ جماعية إلى سؤالٍ محرج، ونحوّل “العمومي” من متفرّجٍ في العتمة إلى وعيٍ يقف على قدميه ويرفض أن يلعب دور الخلفية في مسرح الآخرين؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
المصدر:
هسبريس