الكاتبة: ماجدة لعمش : ناشطة أدبية
الشرف الإعلامي ميثاق غليظ يستوجب استحضار الضمير المهني والأمانة والحيادية الناظمة للعمل، وحرية الكلمة تنتهي حين تبدأ كرامة الآخرين ونزاهة المؤسسات، وقد كثر في الآونة الأخيرة خطابات غير مسؤولة على ضوء الحدث الرياضي لكأس أمم إفريقيا التي أقيمت في المغرب والتي انطلقت في 21 من دجنبر 2025 ، ونخص بالذكر تلك التغطيات الرياضية التي صاحبت هذا الحدث الهام للقارة السمراء.
فالأقلام والعدسات كثرت والأفواه تعددت ، لكن ليس كل ما يقال يحسب رأيا ولا كل رأي يعفى من المساءلة، إذ خرج علينا الإعلامي الرياضي حفيظ الدراجي بتصريحات مثيرة للجدل، تراوحت بين إسقاط الذاتية وتوجيه رسائل الإتهام لتصبح معه المسؤولية المهنية في خبر كان.
فهل ما قاله هذا الإعلامي تحليل مهني أم تعبير ذاتي؟ أم هو استخفاف بأكبر بطولة قارية خصوصا أنه تكرر في أكثر من مناسبة؟ وهل يجوز لأي إعلامي أن يتحدث من خلال مؤسسة بارزة وقناة معروفة عن مؤامرة دون وثائق أو أدلة دامغة؟
وفي صلب المشهد يأتي السؤال الأبرز؛ هل تحولت المنابر الإعلامية إلى منصات لتصفية الحسابات و نشر (بروباغاندا) التضليل التي تضر بسمعة الرياضة القارية، في ظل غياب تام لأي إجراء قانوني في حق المتجاوزين ؟
لنضع هذه المعطيات والأحداث تحت مجهر التحليل والتفكيك والانتقاد المشروع، بكلمة هدفها الأول والأخير الإصلاح والارتقاء بمنظومة إعلامنا العربي.
ففي لحظة حامية الوطيس على إيقاعات كروية مثيرة؛ قيلت عبارات لم تمر مرور الكرام على آذان المتابعين والمستمعين، حيث وجد المعلق الرياضي حفيظ الدراجي نفسه في قلب عاصفة من الجدل ،خلال تعليقه على مواجهة الجزائرونظيرتها نيجيريا في ربع نهائي كاس أمم إفريقيا، لتشق تصريحاته طريقا سريعا نحو منصات التواصل الإجتماعي، وغيرها من فضاءات التعبير من قبيل تلميحات عن انحياز تحكيمي ورسائل مبطنة , وتشكيك تارة وتهكم على أداء الحكم تارة أخرى.
بل ما زاد الطين بلة ؛ خروجه بساعات قليلة على منصاته الرسمية بعد إقصاء المنتخب الجزائري من المنافسة بتدوينات تتحدث عن نظرية المؤامرة، وكولسة خفية وظلم تحكيمي بل ومقصود بخروج فريق على حساب آخر.
وحين يصدر الكلام عن صوت يمثل أكبر منبر إعلامي رياضي في المنطقة، فالأمر يتجاوز حرية التعبير، ليصل إلى التأثير الجماهيري والمسؤولية الأخلاقية والمهنية، وحرية الرأي لا تعني حرية الإتهام؛ والنقد المشروع لا يعني التشكيك المجاني.
إن ما قام به هذا الإعلامي خطأ جسيم وليس زلة لسان ولا انفعال لحظة خسارة، جعل مصداقيته ومصداقية المنبر الذي يمثله وحتى سمعة المنتخب الجزائري تحت المحك وتحت قصف الإنتقادات، واضعا بذلك الجزائر ومنتخبها للسخرية في موقع (الضحية الدائمة) التي لا تخسر إلا بالمؤامرة في غياب البينة، أو على الأقل المطالبة بتحقيق رسمي.
وهنا نحن أمام إشكالين دقيقين:
أولا إشكالية الذاتية من الفضاء العام إلى الفضاء المهني: الإعلامي ليس مواطنا عاديا خلف شاشة هاتفه، فعندما يتحدث صوت مشهور يحظى بمتابعة الملايين يتحول الرأي الشخصي تلقائيا إلى موقف مؤسساتي لدى الرأي العام، صحيح أن الإنتماء الوطني حق مكفول، لكن المشاعر الوطنية لا يجب أن تطغى على المعايير المهنية، من قراءة تقنية إلى قراءة تظلمية.
بل يجب على الإعلامي الحق أن يمارس النقد الذاتي لمنظومته الرياضية بنفس القدر الذي يمارس به نقده للآخرين. والهدف من ذلك حماية الجمهور من السقوط في فخ سيكولوجية الضحية وتعزيز ثقافة تقبل الهزيمة بكل روح رياضية، بدل إثارة النعرات بين الشعوب.
لذلك وجب أخذ الحيطة والحذر، فحسابات الإعلاميين الموثقة على منصات التواصل الاجتماعي امتداد لمنصاتهم المهنية وبالتالي يقول الخبراء أن التطور المتسارع للمنصات التفاعلية وتأثيرها المخيف على المتلقي جعل من الإعلامي مؤسسة قائمة بذاتها، حيث لم يعد من الممكن الفصل بين هويته على الشاشة وهويته الرقمية.
ثانيا إشكالية تحقق المصداقية في الخطاب الاعلامي : عندما يتحول الميكروفون وعلى المباشر في أثير يسمع صداه العالم إلى منصة إتهام، وعندما يتخلى المعلق عن الحياد، ويستبدل ميزان العدل بميزان الصمت والتضليل، فهنا لا يصبح الصوت مرآة للحدث بل شهادة غير نزيهة على مباراة لا تقبل شهادة الزور.
وهذا بالضبط ما قام به حفيظ الدراجي، فإذا عدنا إلى مجريات المباراة ،سنجده تغافل وتعمد عدم التعليق على تصرفات اللاعبين الجزائريين المنافية للقانون أثناء المواجهة، والتي على إثرها قامت لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) في 21 يناير 2026 بفرض عقوبات بين توقيفات وغرامات مالية، الشيء الذي أعاد إلى الأنظار مبدأ المصداقية في نقل الخبر، والذي يعد في مدارس الإعلام ركيزة مقدسة في نقل الأحداث كما هي، وإن غابت فمعنى ذلك أننا أمام أزمة إعلامية وانزلاق خطير يضرب بعرض الحائط أسس المهنة ومبادئ ديباجتها.
فما موقف المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها الدراجي؟ هل ستكتفي دوما بالصمت أم أنها ستتدخل يوما لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل مصداقية الإعلام الرياضي لديها، أم أن الرأي الآخر بات غطاء للفوضى الممنهجة.
إن صمت المؤسسة عن تجاوزات منتسبيها يعد قبولا ضمنيا بها، مما يؤدي في النهاية إلى تآكل الثقة في الإعلام العربي والرياضي بشكل عام.
وفي هذا الصدد فإن المؤسسات الإعلامية الكبرى مدعوة اليوم وعلى رأسها القنوات الناقلة للبطولات القارية، إلى تفعيل (لجان القيم) لمساءلة كل من يستخدم لغة التحريض أو الإتهام.
إن المعلق الرياضي خيط غير مرئي يربط العيون بالمشاعر والأحداث بالعقل، ينسج من الركض والعرق وهتافات الجماهير قصة أسطورية لتظل نجمة تاريخية في سماء الذاكرة الرياضية، ويبلغ ذروة جماله عندما ينتصر للحق ويحترم المشاهد والمستمع ويلتزم بأدبيات المهنة بخطاب عقلاني وليس شعبوي.
والدراجي بخطابه الغير المسؤول درج على الباطل قبل الحق ولا يزال ، وأتّت لنهاية مسيرة عجز الحبر عن خطها استيحاء من تصريحات أساءت لتاريخه، بحنجرة الضغينة والحقد كلما أتى صوته على الميكروفون أو خط قلمه على السطور.
ولا ندري هل نتبع منطقه لنسأل عن مسببات هذا التوجه العدائي الدائم؛ أهي أجندة شخصية أو مهنية؟ أو خلفيات تعود لنظام بلده الذي لا يدخر جهدا في اعتماد ذات الخطاب بشكل يومي وعبر جهاته الرسمية كما هو معروف لدى الجميع.
نحن هنا لا نتهم أي جهة معينة ولن نكون مثل الدراجي؛ بل نمارس حقنا في تسليط الضوء على الأحداث كما هي، نراعي الدقة في السرد والمسؤولية في التفسير دفاعا عن المهنة، نحاول أن نصلح لا أن نهدم ونفرق.
لقد أشاد العالم بهاته البطولة القارية الإفريقية من حيث التنظيم والضبط وسير العمل، والمنشآت وما رافقتها من بنى تحتية .
وأكد المغرب من خلالها جدارته كدولة موثوقة، في رفع التحديات وكسبها بفضل إستقرار سياساته ونجاعة مؤسساته ووفائه بالإلتزام، بل اعتبرها رئيس الإتحاد الإفريقي باتريس موتسيبي النسخة الأفضل في تاريخ البطولة، حيث شهدت تحطيم أرقام قياسية على جميع المستويات، فكيف بهذا المستوى لا نجد إعلاما يتماشى مع هكذا نجاح في عالمنا العربي.
سياق اتجه إلى الاستخفاف والانتقاص أكثر من التقدير والإشادة، وإن كان الدراجي قد تبنى هذا الطرح المشكك الهادم فأين هي أصوات الحقيقة والرأي الآخرالبناء .
لذلك لا محيد اليوم عن الإعلام باعتباره قاطرة للتنمية ، نريده إعلاما صلبا قويا مهنيا , نبتغي فيه منظومة تواكب كبريات الأحداث ونتطلع إلى صرح وطني عملاق , تقوده كفاءات نوعية ترقى إلى الترافع بمسؤولية وحرفية عالية، وهذا هو التحدي الذي يجب أن ترفعه الدولة المغربية في المستقبل القريب .
المصدر:
هبة بريس