آخر الأخبار

ضجيج افتراضي أم رأي عام.. هل تعبر “حروب” مواقع التواصل الاجتماعي عن نبض المجتمعات؟

شارك

باتت منصات التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة بمثابة ساحات حرب مفتوحة، تدور فيها اشتباكات كلامية عنيفة وتتصارع “جيوش إلكترونية” حول قضايا سياسية واجتماعية شائكة. ويخلق هذا الصخب الرقمي المتواصل انطباعا قويا لدى الرأي العام بأن ما يجري في العالم الافتراضي هو انعكاس دقيق لنبض المجتمعات وصورة حقيقية لتوجهاتها، بل ويذهب الكثيرون إلى الاعتقاد بأن هذه الحروب الكلامية تشكل مؤشرا مباشرا على السياسات التي تتبناها الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المستخدمون.

ويتساءل مراقبون حول ما إذا كان هذا الضجيج الرقمي بالفعل يعكس حقيقة الأوضاع على الأرض، أم أنه مجرد صدى لصوت فئة محدودة من المجتمع، بينما تظل الأغلبية الصامتة منشغلة بهمومها الحياتية بعيدا عن هذه المعارك الافتراضية. فخلافا للتصور السائد، يرى محللون أن التأثير الفعلي لهذه المنصات على مسار السياسات العليا للدول لا يزال محدودا للغاية، وأن ما يبدو كحرب شاملة لا يعدو كونه مناوشات بين فئات معينة لا تمثل بالضرورة الرأي العام في مجمله.

وفي هذا السياق، يضع الباحث في علم الاجتماع، الدكتور علي الشعباني، خطا فاصلا بين الواقع الافتراضي والواقع المعاش للمجتمعات. وأوضح ضمن تصريح لجريدة “العمق” أن هذه “الحروب” هي في جوهرها خلافات داخلية بين مستخدمي هذه المنصات، وأنها تفتقر إلى القدرة الحقيقية على توجيه سياسات الدول أو تغيير مسار المجتمعات، مؤكدا أن تأثيرها يبقى في إطار محدود لا يرقى إلى مستوى التهديد الفعلي الذي قد يتصوره البعض.

وأكد علي الشعباني، أن ما يسمى بـ”حرب مواقع التواصل الاجتماعي” هي في حقيقتها مواجهات محصورة بين مستخدمي هذه المنصات ولا ترقى للتأثير على السياسات العامة للدول أو إشعال حروب حقيقية بين المجتمعات. واعتبر في تحليله أن معظم ما يتم تداوله على هذه المواقع لا يعدو كونه تسلية ومضيعة للوقت، وأن تأثيره على أرض الواقع يبقى طفيفا ومحدودا جدا.

وأوضح الخبير ذاته أن مواقع التواصل الاجتماعي لا تغطي كل شرائح المجتمع، ضاربا المثل بالمغرب الذي يبلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة، ومصر التي يصل تعدادها إلى 120 مليون نسمة، حيث أن عدد المؤثرين والفاعلين في هذه المواقع يبقى ضئيلا جدا مقارنة بالعدد الإجمالي للسكان، مؤكدا أن ثلثي المجتمع في الغالب لا يهتمون بهذه المسائل.

وأشار المتحدث إلى أن المواطن العادي، مثل الفلاح المغربي في أزيلال أو دكالة أو جبالة، يكون اهتمامه منصبا على أمور حياته اليومية كالمطر والزراعة واستغلال الخيرات، وليس على ما وصفها بـ”الخزعبلات” التي تروج في العالم الافتراضي. وتابع أن هذا الأمر ينسحب أيضا على التاجر في دكانه والعامل في معمله والمياوم في ورشته، الذين لا يعيرون اهتماما لهذه الصراعات الرقمية.

واعتبر الشعباني أن الحرب الدائرة هي بين من أسماهم “التكتوكيون والفيسبوكيون” وغيرهم من مستخدمي المنصات الذين يتراشقون بالكلام والتهم، وهي مجرد خلافات كلامية لا تتجاوز حدود العالم الرقمي. وفسر أن هذه الفئة تتبادل الشتائم والتعليقات الفارغة، لكن المجتمعات الحقيقية لها سياساتها واستراتيجياتها المختلفة تماما عما يروج.

وأضاف أن الفتنة التي قد تحدثها هذه المواقع تقع على مستوى محدود من الرأي العام الذي يتابع هذه المنصات بشكل حصري، مشيرا إلى أن القليل من المؤثرين فقط يقدمون محتوى جادا وتقارير واستطلاعات أو قراءات سياسية واقتصادية ذات بعد حقيقي، بينما الغالبية العظمى من المحتوى يندرج ضمن التراشقات والسب المتبادل.

وخلص المتخصص في علم الاجتماع إلى أنه لم يتم الوصول بعد إلى مرحلة يمكن فيها لمواقع التواصل الاجتماعي أن تغير السياسات الحكومية أو تؤثر بشكل جذري على الأنظمة، مؤكدا أن الحكومات والمؤسسات لها استراتيجياتها الخاصة التي قد تنظر من خلالها إلى هذه المنصات، لكنها لا تتأثر بها لدرجة تغيير سياساتها بناء على ما يروج فيها.

*صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا