آخر الأخبار

استمرار التدخين في الفضاءات العمومية يختبر صلابة النصوص القانونية بالمغرب

شارك

قال فاعلون حقوقيون وأطباء مغاربة إن “استمرار التساهل في تطبيق القوانين المنظمة لمنع التدخين في الأماكن العامة يشكل خرقا صريحا للحق في الصحة، وتقاعسا مؤسسيا عن حماية المواطنين من أخطار مثبتة علميا”، معتبرين أن “الإبقاء على نصوص قانونية دون تفعيلها، منذ ما يقارب ثلاثة عقود، يفرغ السياسة الصحية من مضمونها ويحوّل القانون إلى مجرد إعلان نوايا لا أثر له على الواقع اليومي للمغاربة”.

ويمنع القانون رقم 15.91، الصادر سنة 1991 والمحين سنة 1995، التدخين في الأماكن العمومية. وتحدد المادة الرابعة منه “مكانا عموميا، بمقتضى هذا القانون، كل مكان معد للاستعمال الجماعي وكل مرفق عمومي وكذا المؤسسات العامة والمكاتب الإدارية”.

وهكذا، فإنه “يمنع التدخين بالأماكن العمومية الآتي ذكرها على سبيل المثال: المكاتب الإدارية المشتركة وقاعات الاجتماعات بالإدارات العمومية وشبه العمومية والخاصة؛ المستشفيات والمصحات ودور النقاهة والمراكز الصحية والمصالح الوقائية بجميع أصنافها؛ وسائل النقل العمومي، باستثناء المناطق المخصصة للتدخين”، وفق المادة ذاتها.

“تدخل تشريعي”

شدد عادل تشيكيطو، رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، على الحاجة إلى “القيام بتحرك تشريعي إضافي بخصوص التدخين في الأماكن العمومية؛ وذلك إما من خلال معالجة الحيثيات التي رافقت عدم تطبيق النص القانوني السابق أو عبر طرح تعديل جديد يمكن أن تقوم المؤسسة التشريعية بإعداده أو تتولى الحكومة تقديمه، في إطار حماية الحق في بيئة سليمة، وكذا حماية الصحة العامة”.

وأشار تشيكيطو، في تصريح لجريدة هسبريس، إلى أن “واقع التدخين في الفضاءات المشتركة، رغم خطورته، يظل في بعض الأحيان حالات معزولة، إذ لا يتم بالكثافة نفسها في جميع الأماكن العمومية، كما يختلف من مدينة إلى أخرى”، مسجلا أن “هذا الأمر يرتبط بدرجة كبيرة بوعي المواطنين وسلوكهم الفردي؛ وهناك من يحرص، بدافع الوعي والمسؤولية، على الابتعاد عن الآخرين أثناء التدخين أو الاستئذان قبل القيام بذلك”.

وأفاد رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان بأن “هذا الوضع يظل مرتبطا، في ظل غياب التطبيق الصارم للقانون، بالحاجة إلى نص قانوني واضح وملزم يهدف إلى توحيد الممارسة ووضع حد للاجتهادات الفردية من طرف المواطنين”، لافتا إلى أن “أي تدخل تشريعي في هذا الاتجاه ينبغي أن يكون مرفوقا بحملات تحسيسية وتوعوية مستمرة تُبرز مخاطر التدخين وانعكاساته السلبية على صحة غير المدخنين، خاصة الفئات الهشة كالأطفال والنساء وكبار السن”.

وبيّن الفاعل الحقوقي سالف الذكر أن “حماية الصحة العامة وتحصين الحق في بيئة سليمة هي مبادئ دستورية ومطالب حقوقية كونية سارية تستدعي أن تُترجم إلى سياسات عمومية فعالة وآليات زجرية واضحة، مع تضافر جهود المشرع والحكومة والمجتمع المدني، بما يضمن احترام الفضاءات العمومية وتحقيق التوازن بين الحريات الفردية ومتطلبات الصحة العامة”.

“قتل صامت”

رفض الطيب حمضي، الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية، “استمرار عدم تطبيق القوانين واحترامها، ولا سيما تلك المتعلقة بمنع التدخين في الأماكن العامة، طيلة ثلاثة عقود كاملة”، معتبرا أن “هذا الوضع يفتقد إلى أي منطق قانوني أو سياسي أو اجتماعي أو صحي، ويعبر عن تقاعس لا يمكن فصله عن نفوذ صناعة التبغ التي ما فتئت تمارس ضغوطا متعددة لعرقلة سن القوانين وتعطيل تبني تشريعات جديدة تحد من التدخين”.

وأوضح حمضي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “كلفة هذا التراخي باهظة جدا على المغرب، على الرغم من أن المعطيات العالمية تُظهر تراجعا ملحوظا في نسب التدخين خلال العشرين سنة الأخيرة، بفضل تنامي الوعي الصحي وتراكم الأدلة العلمية التي تبرز مخاطره”.

وفي هذا الصدد، لفت الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية إلى أن “المغرب عرف بدوره انخفاضا في عدد المدخنين بوتيرة قريبة من المعدلات العالمية؛ وهو ما يعكس مجهودا مهما في مجال التحسيس، غير أن هذا التقدم يظل هشا في ظل غياب التطبيق الصارم للقوانين الزجرية”.

وسجل المتحدث عينه أن “الأرقام تُظهر أن شخصا واحدا من بين كل خمسة مغاربة فوق سن 15 مدخن؛ بينما يتعرض 41 في المائة من السكان للتدخين السلبي، سواء في الأماكن العامة أو داخل الأسرة أو في أماكن العمل”.

وأضاف حمضي أن “60 في المائة من المغاربة، أي 3 من كل 5، يتعرضون للتدخين في الفضاءات العمومية؛ ما يعكس اتساع رقعة الظاهرة وتأثيرها على غير المدخنين”.

وتفصيلا، ذكر الطبيب ذاته أن “مغربيا واحدا من كل 3 مغاربة يتعرض للتدخين داخل الأسرة بنسبة تقارب 30 في المائة؛ فيما يتعرض مغربي واحد من كل 6 للتدخين في أماكن العمل بنسبة تصل إلى 17 في المائة”، محذرا من أن “التدخين السلبي ليس مجرد إزعاج عابر؛ بل يعد سببا مباشرا في الوفاة، عبر ما يخلفه من أزمات قلبية وأمراض القلب والشرايين والجلطات الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي، إضافة إلى أنواع مختلفة من السرطانات”.

وشدد الطبيب الباحث في السياسات والنظم الصحية على أن “دور الدول لم يعد يقتصر اليوم على تطبيق قوانين تعود إلى تسعينيات القرن الماضي”، مستحضرا تجربة فرنسا التي قررت منع التدخين نهائيا في الشواطئ والحدائق وبالقرب من المدارس”؛ فالهدف، حسب المصرح سالف الذكر، “لا يقتصر على حماية الأطفال فقط؛ بل يتجاوز ذلك إلى محاربة تطبيع التدخين في الفضاء العام، حتى لا يُقدم كسلوك عادي ومقبول اجتماعيا”.

وخلص الطيب حمضي، في التصريح ذاته، إلى أن “التحدي الحقيقي يكمن في ترسيخ قناعة جماعية بأن السيجارة ليست أمرا طبيعيا؛ بل خطرا يقتل المدخن ومن يحيط به على حد سواء”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا