آخر الأخبار

أكاديمي مغربي يراهن على معارف "الأنثروبولوجيا البصرية" باللغة العربية

شارك

دافع الأكاديمي يونس الوكيلي، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بجامعة محمد الخامس في الرباط، عن فكرة التأصيل للعلوم الاجتماعية والإنسانية باللغة العربية، مشدّدا على أن كتابه “مدخل إلى الأنثروبولوجيا البصرية” يتجذّر ضمن “نفس الهموم المعرفية الشخصية التي تساند وجود مراجع مهمّة في مختلف العلوم بهذه اللغة، مع أن لكل باحث الصلاحية في الكتابة باللغة التي توفر له أريحية أعلى”.

وأفاد الوكيلي، خلال حلوله ضيفا على لقاء مفتوح نظمه ماستر الأنثروبولوجيا والمجتمع والثقافات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، الجمعة، بأنه “حين لاحظ غياب مراجع تتطرّق إلى المعارف المرتبطة بالأنثروبولوجيا البصرية، ازداد تحفيزه لكتابة هذا العمل”، الذي راودته بشأنه في البداية “تردّدات حادة”، عندما اقترحت عليه جامعة قطر الاشتغال عليه ضمن مشروع يستهدف إرساء مداخل لمختلف العلوم.

مصدر الصورة

جهد معرفي

الأكاديمي المغربي وهو يتحدث عن مؤلفه الصادرة طبعته الأولى عن جامعة قطر قال: “تردّدت في البداية لأن مجال العمل لم يكن من التخصّصات التي اشتغلت بها مباشرة، وطرحت على نفسي سؤالًا إشكاليا: كيف يمكن إنجاز مدخل علمي لتخصّص لم أشتغل عليه من قبل؟”، مبيّنا أن القلق ازداد تلقائيا لمّا سمع المؤرخ المغربي البارز عبد الأحد السبتي يصرّح، في محاضرة بمؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود، بأن “أصعب ما في الكتابة هو كتابة مداخل العلوم”.

وأضاف الأنثروبولوجي ذاته: “لم أبدأ حينها في الموضوع، وقد وجدت في هذا التصريح ما عزّز تردّدي؛ إذ أدركت أن المهمة شديدة الصعوبة، لأن كتابة المداخل تقتضي تمكّنا عميقا من التخصّص، وإحاطة بمساراته المتعددة وتشعّباته المختلفة. وغالبا ما يتصدّى الباحثون الراسخون في تخصّصاتهم لإنجاز مثل هذه المداخل”، لكنه استدرك قائلا: “رغم هذا التردّد، شرعت في العمل”.

وزاد شارحا: “لاحقا، قرأت كتاب المشهد التاريخي: كيف يرسم المؤرخون الماضي؟ للمؤرخ جون لويس غاديس، وقد استوقفتني فكرة مركزية يتأمّل فيها الكاتب، من منظور إبستمولوجي، فعلَ المؤرخ حين يكتب عن الماضي”. ويؤكد هذا الكاتب، وفق الوكيلي، أن “أفضل ما يمكن أن يفعله المؤرخ حيال مشهد ما هو أن يمثّل الواقع، ويتجاوز التفاصيل الدقيقة، وينظر إلى الخطوط الكبرى، ويفكّر في كيفية استخدام ما يراه من أجل أهدافه المسطّرة”.

وأوضح المتحدّث ذاته أن “غاديس يعتبر أن فعل التمثيل هذا يجعل المؤرخ يشعر بكِبَر الحجم؛ إذ تقع على عاتق من يقوم بعملية التمثيل مسؤوليةُ جعل المعقّد قابلًا للفهم، أوّلًا لنفسه، ثم للآخرين”، مبيّنًا أن “هذه الفكرة منحته أساسًا نفسيًا ومعرفيًا لتحرير المؤلَّف”، وأضاف: “أدركت أن كتابة مدخل علمي تقتضي النظر إلى التخصّص من موقع علوي، وإلا تعذّر تقديم مدخل يكون مرشدا ومرجعا للباحثين”.

مصدر الصورة

ومضى قائلا: “إلى جانب غاديس، رافقتني أثناء تأليف هذا الكتاب فكرةُ فردينان دو سوسير، حين تأمّل الإبستمولوجيا في عمله اللساني، واعتبر أن الباحث حين يتحدّث عن تخصّصه، فإنه يصف ما يمكن أن يقوم به المتخصّص في هذا المجال؛ أي يقدّم تخصّصه كما مارسه هو أو كما يمارسه أقرانه من الباحثين”، مضيفا: “بناءً على ذلك، كان رهاني في هذا الكتاب هو الإجابة عن أسئلة من قبيل: ماذا يفعل الأنثروبولوجي البصري؟ ما الأفكار التي تشغله نظريًا؟ وماذا يفعل عمليًا في الميدان؟”.

وفي ما يخصّ النشأة والتاريخ، أشار صاحب “أنثروبولوجيا الشفاء” إلى أنه “انطلق من فكرة أساسية مفادها أن تاريخ الأنثروبولوجيا، المعروفة بتعدّد فروعها، ومن بينها الأنثروبولوجيا الثقافية (بالتعبير الأمريكي) أو الاجتماعية (بالتعبير البريطاني والفرنسي)، قد انبثق عنه تخصّص فرعي هو الأنثروبولوجيا البصرية”، مسجّلا أنه “يمكن تقسيم تاريخ هذا التخصّص إلى مرحلتين أساسيتين: ما قبل السبعينيات وما بعدها”.

“عمل شامل”

من جانبه، قدّم الأكاديمي عزيز احلوى، الأستاذ الباحث في الأنثروبولوجيا بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءة علمية في كتاب “مدخل إلى الأنثروبولوجيا البصرية”، مبرزا “قيمته المعرفية وإسهامه النوعي في سدّ فراغ واضح داخل المكتبة العربية”، لكونه “يكشف جهدا واضحا على مستوى ترجمة المتن، لتقديم مادة جديدة لا نتوفر فيها على متن باللغة العربية”.

وأشار احلوى، الذي كان يناقش الوكيلي في عمله، إلى “وجود فراغ كبير جدا في المكتبة العربية حول مادة الأنثروبولوجيا البصرية”، مشددا على أن “العمل يتميّز بشموليته، لأن الكتب الأخرى التي صدرت في هذا المجال هي كتب متخصصة في مجالات معيّنة داخل الأنثروبولوجيا البصرية”، غير أن المؤلف “استطاع تقديم مادة تكاد تجمع هذه التخصصات، وهو ما يحدث لأول مرة في المكتبة العربية”.

مصدر الصورة

ولفت الأكاديمي المغربي إلى أن الكتاب “يشكّل إغناءً حقيقيا للمكتبة المغربية والعربية”، قبل أن يتوقف عند الطريقة التي استهلّ بها المؤلف كتابه، من خلال طرح سؤال جوهري في الأنثروبولوجيا، يتعلق بطبيعة المتن الذي يختار الباحث الاشتغال عليه.

وجاء في مقدمة الكتاب: “عندما شرعت في كتابة كتاب ‘مدخل إلى الأنثروبولوجيا البصرية’، اتجهت تلقائيا للاطلاع على الكتب المرتبطة بالأفلام الإثنوغرافية المتوفرة، وبدرجة أقل بكتب الصور الفوتوغرافية، وتساءلتُ بسذاجة: لماذا يسمّون الشيء نفسه أسماءً مختلفة؟”.

واعتبر المتحدث أن هذا السؤال “مهم جدا في الأنثروبولوجيا”، لأنه يفتح النقاش حول ميكانيزمات اختيار متن الاشتغال، متسائلا: “كيف يمكن للباحث، حين يجد نفسه أمام متن غني، أن يختار المتن الذي يكون منطلقا لعمله؟”، ولفت إلى أن استهلال الكتاب بهذا الإشكال المركزي “يُحسب للمؤلف بالنظر إلى الانتباه العلمي الذي أولاه لهذا السؤال”.

كما أشار إلى أن المؤلف تطرّق لمسألة التخصص داخل الحقل الأنثروبولوجي وارتباطه بالجماعة المؤسسة، مبرزا أن “لهذه الجماعة دورا محددا في تعريف الحقل، خصوصا في بدايات تأسيسه”.

وأشار إلى وجود “صراع كبير حول كيفية تأسيس الحقل، وكيف يمكن للحقل المعرفي أن يكتسب شرعيته من خلال جماعة تشتغل على هذا المتن أو ذاك التخصص”، مؤكدا أن “مسألة التوثيق حاضرة بقوة في العمل، ليس فقط باعتبارها هدفا أوليا، بل باعتبارها مدخلا لفهم التاريخ البشري من خلال المتن البصري؛ إذ تبرز إمكانية قراءة التاريخ الإنساني برمّته عبر هذا النوع من التوثيق”.

وإلى ذلك، تطرق الباحث إلى سؤال شرعية حقل الأنثروبولوجيا البصرية، وكيف جرى نقاش هذه الشرعية تاريخيا، متسائلا عمّا إذا كانت ولادتها عسيرة داخل الحقل الأنثروبولوجي العام، وأوضح أن “المؤلف خصّص جزءا مهما من الكتاب لنقاش هذا الصراع حول مكانة الأنثروبولوجيا البصرية وشرعيتها”، مبرزا أن “السمعي البصري يُعد جزءا لا يتجزأ من العمل الإثنوغرافي، وأن جمع المعطيات السمعية البصرية يندرج ضمن التوثيق الإثنوغرافي لمادة الأنثروبولوجيا البصرية”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا