كشفت مصادر إعلامية مقربة من جبهة البوليساريو استعداد الوفد المفاوض، الذي أعلنت قيادة الجبهة عن تشكيله الأسبوع الماضي، للقيام بزيارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف فتح قنوات تواصل مع الإدارة الأمريكية، رغم الموقف الثابت لواشنطن الداعم لسيادة المغرب على صحرائه ولمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ووفق المصادر ذاتها، تندرج هذه الزيارة في سياق مواكبة الجهود التي تقودها الولايات المتحدة لإعادة تحريك الملف، تمهيدا لاجتماع رباعي مرتقب يضم المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، بمشاركة مسؤولين أمريكيين بارزين.
يأتي هذا التحرك في ظل زخم سياسي أعقب صدور قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الإطار الوحيد للتوصل إلى حل سياسي واقعي ودائم للنزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية.
في هذا السياق، ورغم غياب أي إعلان رسمي أمريكي عن استقبال الطرف الانفصالي أو انعقاد طاولة مستديرة جديدة وفق الصيغة المعتمدة من قبل الأمم المتحدة، روجت وسائل إعلام ناطقة باسم الجبهة الانفصالية لتشكيلة ما أسمته “الوفد الصحراوي الرسمي للمفاوضات”، في خطوة أثارت تساؤلات بشأن الخلفيات والتوقيت.
وذكرت المصادر ذاتها أن هذه التشكيلة تضم محمد سالم ولد السالك رئيسا، ومحمد يسلم بيسط، وسيدي محمد عمار، بصفته منسقا مع بعثة الأمم المتحدة “المينورسو”، فضلا عن مولود سعيد، وفاطمة المهدي، التي سبق أن شاركت في محادثات جنيف الأولى والثانية، ما يعكس، وفق متابعين، محاولة لإعادة تقديم الوجوه ذاتها في سياق دولي وإقليمي متغير.
قال عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، إن الحديث عن تعيين وفد مفاوض من قبل جبهة البوليساريو، والإعلان عن زيارة مرتقبة لهذا الوفد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لا يعني بالضرورة وجود رغبة أمريكية في فتح قنوات تواصل مباشرة معه، معتبرا أن الأمر يرتبط أساسا بالسياق الذي ترسمه واشنطن لنفسها بخصوص هذا الملف.
وأضاف البلعمشي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن أي لقاء محتمل مع المسؤولين الأمريكيين يظل خاضعا للأجندة التي تحددها الإدارة الأمريكية، وليس استجابة لرغبات الجزائر أو جبهة البوليساريو، مشددا على أن “التصريحات الصادرة عن مسؤولين أمريكيين تؤكد أن واشنطن هي التي تضبط إيقاع هذا المسار وتحدد سقفه السياسي والدبلوماسي”.
وسجل المحلل السياسي ذاته أن هذه التحركات تندرج ضمن دينامية أوسع مرتبطة بتنزيل القرار الأممي رقم 2797، وكذا بالموقف الأمريكي الواضح والداعم للوحدة الترابية للمملكة، مشيرا إلى أن “الولايات المتحدة تسعى إلى ترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية على أرض الواقع، في انسجام مع التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية”.
وذكر المتحدث نفسه أن المكاسب الكبرى التي راكمها المغرب تحت سيادته الوطنية جعلت من مبادرة الحكم الذاتي الإطار الواقعي والوحيد لتسوية هذا النزاع الإقليمي، وهو ما يفسر، بحسبه، “حرص واشنطن على الدفع في اتجاه مسار سياسي يستجيب لهذا التوجه العام، وبإرادة أمريكية مباشرة”.
وأوضح الخبير في الشؤون الدبلوماسية،أن المنطق السياسي كان يقتضي من الوفد المعلن عنه أن يتفاعل أساسا مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا، باعتباره القناة الأممية الرسمية المكلفة بتيسير العملية السياسية، بدل السعي إلى التواصل المباشر مع المسؤولين الأمريكيين.
وخلص البلعمشي إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، وبالنظر إلى موقفها المعلن من قضية الصحراء المغربية، باتت تنزل بثقلها السياسي والدبلوماسي من أجل الدفع نحو تسوية عادلة ودائمة، تصطف إلى جانب الشرعية والمشروعية التي يتمتع بها المغرب في هذا النزاع الإقليمي المفتعل.
يرى دداي بيبوط، فاعل سياسي باحث في التاريخ المعاصر والحديث، أن نزاع الصحراء المغربية شهد منعطفا غير مسبوق بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2797 في أواخر أكتوبر الماضي، الذي جعل من مقترح المغرب للحكم الذاتي أساسا صلبا للتوصل إلى تفاهمات سياسية لحل النزاع، لافتا إلى أن هذه التطورات الدبلوماسية تمثل مرحلة تاريخية فارقة في معالجة الملف، خاصة في ظل تحول الموقف الدولي، وعلى رأسه الموقف الأمريكي، لصالح المخطط المغربي للحكم الذاتي.
وأوضح بيبوط، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن القرار الأممي جاء واضح الرؤية والأهداف والمستندات، وقطع الشك باليقين عن القرارات الدولية المعتادة حول النزاعات، معتبرا أن “الإشارة الصريحة للمرة الأولى إلى مبادرة الحكم الذاتي المقدمة من المغرب عام 2007 كإطار للمفاوضات يمثل نقطة تحول استراتيجية وعلامة فارقة في مسار التسوية، نظرا لما توفره هذه المبادرة من جدوى عملية وحلول واقعية للنزاع الإقليمي”.
وأكد الفاعل السياسي أن هذا القرار التاريخي أربك حسابات الجزائر وحلفائها، بمن فيهم جبهة البوليساريو، وبرزت فرضيات تتعلق بتطبيق عزلة على الأطراف غير المتعاونة، مع احتمال صرف النظر عن التعامل مع البوليساريو بوصفها طرفا مارقا لا يسعى لحل النزاع الممتد على مدى خمسة عقود، وذلك بفعل تعنتها واستمرار الدعم الممنهج من بعض الأطراف المغرضة، وهو ما دفع الجبهة إلى تشكيل وفد مفاوض لإعداده في أفق مشاركته في العملية السياسية المرتقبة.
ولفت بيبوط إلى أن “الفراغ الدبلوماسي والهزال السياسي الذي أصاب الديبلوماسية الجزائرية، في ظل توجه الولايات المتحدة لدعم الموقف المغربي استنادا إلى شرعية ومبررات تاريخية وقانونية وتجربة طويلة في معالجة الملفات المعقدة، أدى إلى استعجال البوليساريو إرسال وفد من قيادات الصف الثاني بالمخيمات إلى واشنطن، للمشاركة في دورة أولية من المفاوضات مع المسؤولين الأمريكيين، بهدف فهم أولويات الإدارة الأمريكية الجديدة والسعي لاستكشاف فرص للانخراط في حل شامل للنزاع المفتعل”.
واسترسل المهتم بنزاع الصحراء بأن أحد أعضاء الوفد وممثل الجبهة في واشنطن توجه إلى فلوريدا لإعداد الأرضية وتمهيد المشاورات المحتملة، في ظل عدم رضا عام داخل مخيمات تندوف حول تكوين الوفد، وظهور انتقادات حادة من قيادات مخضرمة، أبرزها البشير مصطفى السيد، الذي انتقد سيطرة إبراهيم غالي على اختيار الأعضاء، مؤكدا أن “وفد التفاوض يضم أعضاء خاضعين مباشرة لزعيم الجبهة دون تمثيل حقيقي للقاعدة الداخلية”.
وأوضح الخبير ذاته أن الدور المحوري لسفارة الجزائر في واشنطن يشمل مراقبة هذه التحركات ومحاولة كبح أي تطورات دبلوماسية جديدة، خشية استغلال الجهات المعادية للبوليساريو داخل الولايات المتحدة للضغط على الكونغرس لتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية، وهو ما يهدد مستقبلها وامتداداتها الإقليمية، مع أن أجندة المفاوضات المستقبلية قد تتضمن نقاطا رئيسية تصب في دعم الحكم الذاتي المغربي باعتباره الحل الواقعي الوحيد.
وأنهى بيبوط حديثه لهسبريس بالتأكيد أن خطوة إرسال وفد إلى واشنطن تعكس محاولة يائسة للبوليساريو للحفاظ على موطئ قدم في المفاوضات، في ظل ضغوط دولية متزايدة، وفرصة أخيرة لقياس مدى قدرتها على تحقيق أي مكاسب دبلوماسية، بينما تميل موازين القوى بوضوح لصالح الموقف المغربي المدعوم دوليا والمؤسس على شرعية ووحدة التراب الوطني.
المصدر:
هسبريس