في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد سبع سنوات من الجفاف القاسي، عادت الروح إلى أراضي إقليم سيدي بنور بفضل التساقطات المطرية الغزيرة الأخيرة. إلا أن هذا “الغيث” الذي طال انتظاره، حمل معه تحديات ميدانية متباينة، حيث رسمت المياه لوحة من الانتعاش في مناطق، وخلف فيض الأودية أضرارا جزئية في مناطق أخرى، مما وضع الفلاحين والمهنيين في سباق مع الزمن لإنقاذ المحاصيل.
في جولة ميدانية لنواحي الإقليم، رصدت “العمق” تحول مجاري أودية موسمية إلى أنهار جارفة، حيث توسع عرض أحدها ليصل إلى نحو 700 متر، غامرا الحقول المجاورة بعلو ناهز المتر ونصف. هذا الوضع أدى إلى غرق مساحات شاسعة من زراعات البطاطس والجلبانة، خاصة في الأراضي المنخفضة التي تحولت إلى “مستنقعات” احتجزت المياه لفترة طويلة، مما يهدد باختناق الجذور وتراجع المردودية.
وفي تصريحات متفرقة، أكد فلاحون من المنطقة أن الأضرار تظل “موضعية” وليست شاملة. ويقول أحد المزارعين: “الحقول التي تمكنا من تصريف المياه منها سريعاً بدأت تستعيد عافيتها، فمحاصيل مثل البصل والجلبانة تمتلك قدرة على الصمود إذا لم تطل فترة الرطوبة”.في المقابل، كانت الأراضي الرملية هي “الرابح الأكبر”، حيث امتصت المياه بسلاسة، مما انعكس إيجاباً على نمو القمح والحبوب التي بدت في أبهى حللها بعد هذه الرية الطبيعية.
وحسب معطيات من عين المكان، فإن أحد الأودية الموسمية القادمة من مناطق بعيدة توسع مجراه بفعل قوة الأمطار، ليصل عرضه ما بين 600 و700 متر، متسبباً في تسرب المياه إلى عدد من الأراضي الفلاحية المجاورة، حيث غمرت المياه بعض الحقول بعلو ناهز متراً إلى متر ونصف، ما ألحق أضرارا بمحاصيل مثل البطاطس والجلبانة وبعض الزراعات الأخرى.
وأوضح فلاحون ضمن تصريحات لجريدة “العمق” أن الأضرار لم تكن شاملة، إذ إن الحقول التي جرى تصريف المياه منها في وقت وجيز استعادت عافيتها، خاصة الزراعات القادرة على تحمل الرطوبة المؤقتة، مثل الجلبانة والبصل، حيث يمكن للأخير استعادة نموه بعد إزالة المياه الزائدة. في المقابل، تضررت بعض الأراضي الواقعة في المنخفضات التي احتجزت المياه لفترة أطول، ما أدى إلى اختناق الجذور وتراجع المردودية.
وفي ما يتعلق بطبيعة التربة، أكد مهنيون أن الأراضي الرملية استفادت بشكل كبير من هذه الأمطار، سواء بالنسبة للبطاطس أو الحبوب، وعلى رأسها القمح، الذي اعتُبرت هذه التساقطات “مفيدة جدا” لنموه في هذه المرحلة. أما الترب الثقيلة التي تحتفظ بالماء، فقد تطلبت تدخلاً عاجلاً لتصريف المياه وتفادي تلف المزروعات.
وأشار فلاحون إلى أن تجاوز آثار الرطوبة المفرطة يمر عبر تنظيم التسميد، خاصة استعمال الأسمدة الآزوتية، مثل 33 أو 46، لمعالجة الاصفرار الذي يظهر على بعض المزروعات بعد الأمطار، مؤكدين أن “التنظيم في السقي والتسميد” يظل عاملا حاسما في الحفاظ على صحة المحاصيل.
في السياق ذاته، حذر مهنيون من تنامي الأمراض الفطرية المرتبطة بالرطوبة، مثل البياض الدقيقي الذي يصيب الجلبانة، ومرض “الميليديو” الذي يهاجم أوراق وسيقان البطاطس، مبرزين أن هذه الأمراض تنتشر مع الضباب والجو الغائم بعد التساقطات. ودعوا إلى اعتماد المعالجة الوقائية قبل ظهور الأعراض، مع احترام دورية العلاج التي قد تصل إلى مرة كل سبعة أيام في فترات الرطوبة المرتفعة.
وعلى مستوى التسويق، ساهمت الأمطار في تراجع مؤقت لحجم الخضر المعروضة بالأسواق، بسبب صعوبة الولوج إلى بعض الحقول وتأخر الجني، خصوصا في الأراضي غير الرملية، ما أدى إلى انخفاض الكميات الوافدة من بعض المناطق الفلاحية.
ورغم الخسائر المحدودة التي طالت بعض الفلاحين، عبّر مهنيون عن ارتياحهم العام لهذه التساقطات، معتبرين إياها “خيرا طال انتظاره” بعد سبع سنوات من الجفاف، ومعولين على انعكاسها الإيجابي على الفرشة المائية والآبار، وتحسين الموسم الفلاحي الحالي.
ويجمع الفلاحون والمهنيون على أن هذه الأمطار، رغم ما سببته من أضرار موضعية، تبقى عاملا أساسيا في إنعاش الفلاحة الوطنية، شريطة مواكبتها بتدبير تقني محكم للمياه والتسميد والوقاية الصحية للنباتات.
المصدر:
العمق